“رفح الخضراء” تتساءل عن حدود التنفيذ.. لماذا ظهر المقاول المصري ابتداء برواية الاحتلال؟

- ‎فيتقارير

بدأت قصة دخول مقاولين مصريين إلى شرق رفح هذه المرة من الإعلام العبري، لا من بيان مصري أو إعلان صادر عن جهة مصرية. فقد قالت إذاعة جيش الاحتلال إن مقاولين مصريين دخلوا، الثلاثاء، إلى منطقة تقع داخل «الخط الأصفر» في شرق رفح، وأجروا لساعات قياسات وأعمالاً هندسية تمهيدية استعداداً لأعمال البنية التحتية لمشروع «رفح الخضراء». وبحسب الرواية نفسها، جرى الدخول بموافقة وتنسيق مع قيادة المنطقة الجنوبية لجيش الاحتلال، وبرفقة قوات منه وتحت مراقبة جوية.

ولم يبدأ الإعلان من القاهرة؛ بل ظهر أولاً في الإعلام العبري، ثم نقلته صحف ومواقع مصرية باعتباره خبراً منسوباً إلى ذلك الإعلام، من دون أن يظهر في المصادر التي جرى التحقق منها بيان مصري رسمي مستقل يشرح المشاركة المصرية.

ونشرت "مصراوي" تقريراً بعنوان "إعلام عبري: مقاولون مصريون دخلوا غزة لبناء رفح الخضراء"، وتقريراً آخر بعنوان "مقاولون مصريون يدخلون رفح الفلسطينية تمهيدًا لإنشاء مشروع رفح الخضراء"، على "أهل مصر". وكلا التقريرين قدما الواقعة أساساً باعتبارها خبراً منسوباً إلى الإعلام العبري، ولم يظهرا، في المواد التي أمكن الوصول إليها، إعلاناً مصرياً رسمياً مستقلاً عن مشاركة المقاولين أو تفاصيل الاتفاق أو حديث  نقله المقاولون.

واللافت في الرواية العبرية ليس مجرد مشاركة شركات أو مقاولين مصريين في أعمال داخل غزة، وإنما أن الإعلان جاء مصحوباً بتفاصيل عن الجهة التي وافقت على دخولهم، وموقع العمل، وطبيعة القياسات، والجهة الممولة للمشروع، والترتيبات الأمنية المحيطة به.
وبحسب التقارير العبرية التي نقلتها وسائل إعلام عربية، فإن المشروع ممول ومدار من الإمارات، ويُفترض أن يستوعب عشرات الآلاف من الفلسطينيين في منطقة خارج سيطرة حماس وتحت إشراف قوة متعددة الجنسيات.

وتساءل مراقبون عن كيف تأتي المعلومة الأساسية من إذاعة جيش الاحتلال، ثم تنتقل إلى وسائل الإعلام المصرية والعربية بوصفها نقلاً عن الإعلام العبري، بدلاً من أن تعلن الجهة المصرية المعنية تفاصيل دخول المقاولين، وطبيعة المهمة، والجهة المتعاقدة معهم، والأساس القانوني لدخولهم، ومن يتولى الإشراف على أعمالهم؟

ويتحدث مسئولو الانقلاب عن المشاركة أنها لم تقع؛ فالمصادر المتاحة تؤكد أن وسائل إعلام مصرية نقلت بالفعل الرواية العبرية، بينما لم يظهر في المصادر التي جرى الوصول إليها بيان رسمي مصري يفصل ملابساتها.

 

مشروع عمراني في  رواية الاحتلال

تكتسب الواقعة حساسيتها من طبيعة المشروع نفسه. فالتقارير العبرية لا تتحدث فقط عن إعادة إعمار حي مدمر، وإنما عن تجمع سكني في منطقة تقع داخل «الخط الأصفر»، يفترض أن تكون خارج سيطرة حماس، مع ترتيبات أمنية وفحص للسكان، وإدارة أو إشراف قوة متعددة الجنسيات. وكانت إذاعة جيش الاحتلال قد تحدثت منذ أغسطس عن مشروع «رفح الخضراء» وعن أعمال حفر وتسوية وشبكات مياه وصرف صحي وكهرباء.

وفي أغسطس، أشارت تقارير إلى أن القرار المتعلق ببدء أعمال البنية التحتية اتخذ قبل الإعلان عنه، وأنه ظل طي الكتمان لبعض الوقت. كما أشار تقرير آخر إلى أن مكتب نتنياهو نفى آنذاك بعض ما ورد في الرواية الإسرائيلية، وقال إن المشروع «تجريبي» وممول إماراتياً، وإن الأعمال ستكون تحت إشراف جيش الاحتلال.

ويضيف هذا التفصيل سؤالاً آخر إلى النقاش المصري إذا كان المشروع قد ظهر في الإعلام الإسرائيلي منذ أسابيع، وكانت طبيعته مرتبطة بترتيبات أمنية وسياسية لما بعد الحرب، فما حدود الدور المصري فيه، وهل يقتصر على تنفيذ أعمال هندسية بواسطة شركات مصرية، أم أن المشاركة المصرية جزء من ترتيبات أوسع لإعادة الإعمار في منطقة تخضع للسيطرة العسكرية للاحتلال؟

 

خضعوا تماماً لمشيئة العدو

على منصات التواصل، قُرئت الواقعة من زاوية أكثر حدة. فقد علق الصحفي صلاح بديوي (@bedewi110) على دخول المقاولين المصريين قائلاً: "اشهدي يا مصر.. خضعوا تماماً لمشيئة العدو"، في اعتراض على أن دخول مقاولين مصريين إلى المنطقة جرى، وفق الرواية العبرية، بتنسيق وموافقة من قيادة الاحتلال.

حيث المقاول المصري، وفق الرواية المتداولة، لا يدخل منطقة مفتوحة أو خاضعة لإدارة مصرية أو فلسطينية، وإنما منطقة داخل «الخط الأصفر»، وبمرافقة قوات الاحتلال وتحت مراقبته الجوية.

في المقابل، تضع رواية الصحفي أحمد عابدين عبر Ahmed Abdeen على فيسبوك المشاركة المصرية المحتملة في سياق مختلف تماماً. فقد كتب أن مصر نجحت، بحسب رؤيته، في فرض «لا» على تغيير طبيعة معبر رفح، وربط ذلك بموقفها من رفض التهجير، معتبراً أن القاهرة رفضت تحويل المعبر إلى صيغة تفصل القطاع عن مصر.

خطط إعادة إعمار غزة

ولا تأتي مشاركة المقاولين المصريين، إن تأكدت تفاصيلها، من فراغ. ففي يناير 2026، قال رئيس اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة علي شعث، في تصريحات نقلتها «بوابة الأهرام»، إن الدول الداعمة ستوفر الدعم لإعادة الإعمار، وإن التعاون مع الدول العربية، وعلى رأسها مصر، يشمل توفير المقاولين ومواد البناء والأثاث والمستلزمات اللازمة لتنفيذ الخطة..

وبالتالي فإن وجود شركات مصرية في ملف إعادة إعمار غزة ليس أمراً مستبعداً في ذاته، لكن الإشكال الذي تثيره واقعة رفح يتعلق بالمكان والجهة التي تدير المنطقة والغطاء الأمني والسياسي للعمل، وليس بمجرد فكرة مشاركة المقاولين المصريين في الإعمار.

 

التعاون عبر الحدود يمكن أن يكون مدخلاً للاستقرار

في الاتجاه المقابل للمآخذ السياسية، دافع مستر حكيم (@dsoajh) عن مشاركة المقاولين المصريين، معتبراً أن مشاريع البنية التحتية مثل «رفح الخضراء» يمكن أن تمثل خطوة نحو التعاون الاقتصادي والتنموي بين مصر وفلسطين.

وكتب أن دخول المقاولين المصريين إلى غزة ليس مجرد استثمار في بناء مدينة جديدة، بل يمكن أن يكون، بحسب رؤيته، رمزاً للتقارب الثقافي والسياسي، معتبراً أن التكامل الإقليمي والتعاون عبر الحدود يمكن أن يساهما في الاستقرار.

وتختلف هذه القراءة عن القراءة التي قدمها الصحفي صلاح بديوي؛ فالأولى تنظر إلى دخول الشركات المصرية باعتباره مشاركة في إعادة البناء، بينما تركز الثانية على أن هذه المشاركة تتم في منطقة تخضع للسيطرة العسكرية للاحتلال وبموافقته ومرافقته.

 

التحذير الفلسطيني: هل «رفح الخضراء» إعادة إعمار أم إعادة تجميع؟

وتوجد قراءة فلسطينية أوسع لطبيعة المشروع نفسه. فقد نشر المركز الفلسطيني للدراسات السياسية دراسة عن مشروع «رفح الجديدة» رأت أن المشروع ينبغي النظر إليه بوصفه اختباراً لنموذج سياسي وأمني وعمراني جديد في غزة بعد الحرب، وليس مجرد مشروع سكني.

وتشير الدراسة إلى انتقال التصور من مشروع واسع يضم أكثر من 100 ألف وحدة سكنية إلى منطقة تجريبية أصغر تستهدف نحو 50 ألف شخص، وتطرح سؤالاً حول ما إذا كان المشروع إعادة بناء لرفح القديمة أم إنشاء منطقة بديلة لها، خصوصاً مع وجود ترتيبات أمنية خاصة وتدقيق في السكان وإدارة متعددة المستويات.

كما نقلت الدراسة تحذيرات سابقة من احتمال استخدام مثل هذه المنطقة لعزل السكان وتجميعهم في مساحة تخضع للسيطرة العسكرية، فيما حذر مدير شبكة المنظمات الأهلية في غزة محمد صالحة من التداعيات التي قد تترتب على المشروع، متسائلاً عن الجهة التي ستوفر الخدمات الأساسية وآليات حماية السكان وحرية حركتهم.

 

الخضراء والحمراء

وفي تغطية مصرية سابقة، قال أستاذ العلوم السياسية حسن سلامة إن السماح بدخول معدات ثقيلة إلى جنوب غزة لإنشاء ما يُسمى بـ«رفح الخضراء» قد يؤدي، بحسب تقييمه، إلى تقسيم القطاع إلى مناطق منفصلة، واعتبر أن المشروع يثير مسألة تقطيع أوصال غزة إلى «كانتونات». وفي المقابل، قال سلامة إن مصر ترفض هذا التصور وتتمسك بوحدة الأراضي الفلسطينية وبإعادة إعمار القطاع بأكمله.

وهنا تظهر مفارقة في الخطاب حول الدور المصري: فبينما تقدم تصريحات مصرية وأخرى مؤيدة لدورها القاهرة باعتبارها طرفاً متمسكاً بوحدة القطاع ورافضاً للتهجير، تظهر رواية ميدانية عن مقاولين مصريين يعملون داخل منطقة محددة من شرق رفح ضمن مشروع له ترتيبات أمنية وجغرافية خاصة.

بالنسبة إلى منتقدي المشاركة المصرية، لا يقتصر الاعتراض على دخول المقاولين، وإنما يمتد إلى عدم صدور توضيح مصري مبكر يشرح ما حدث. ويصبح السؤال عند هؤلاء: لماذا يعرف الرأي العام المصري أن مقاولين مصريين دخلوا شرق رفح من إذاعة جيش الاحتلال، بينما لا يعرف من الجهة المصرية نفسها طبيعة التكليف أو حدود المشاركة أو شروطها؟

أما في الرواية المقابلة، فقد تكون مشاركة المقاولين جزءاً من ترتيبات إعادة إعمار أوسع تشارك فيها مصر، خصوصاً أن القاهرة سبق أن طرحت نفسها طرفاً رئيسياً في إعادة إعمار غزة، وأن مسئولين فلسطينيين تحدثوا عن الاستعانة بالشركات والمقاولين المصريين. ببوابة الأهرام

وبين الروايتين يبقى التفصيل الأكثر حساسية هو أن التقارير المتداولة تتحدث عن دخول المقاولين إلى منطقة داخل «الخط الأصفر» بموافقة وتنسيق مع قيادة الاحتلال ومرافقة قواته، في حين لم يظهر، حتى الآن في المصادر التي أمكن الوصول إليها، شرح مصري رسمي تفصيلي يوضح طبيعة هذا التنسيق وحدوده والجهة المصرية التي أصدرت الموافقة أو التعاقد.