أعلنت ثمانية أحزاب تونسية مشاركتها في مسيرة احتجاجية مقررة يوم 17 أكتوبر الحالي، داعية إلى حشد واسع لإنجاح التحرك الذي يجمع بين المطالب الاجتماعية والاقتصادية والدفاع عن الحقوق والحريات، في ظل تصاعد الخلاف بين السلطة الحاكمة وقوى المعارضة بشأن مسار البلاد السياسي وأوضاعها المعيشية.
وتضم قائمة الأحزاب الموقعة على البيان المشترك المسار الديمقراطي الاجتماعي، والحزب الاشتراكي، وحزب القطب، وحزب العمال، وآفاق تونس، والتيار الديمقراطي، والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات، والحزب الجمهوري.
وجاء الإعلان عقب اجتماع عقدته الأحزاب في 5 أكتوبر الحالي، خُصص لمناقشة الوضع العام في البلاد، حيث ربطت بين الأزمة السياسية وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وأعلنت انخراطها في المطالب التي رفعتها تسع منظمات وطنية وجمعيات دعت إلى تنظيم المسيرة.
الغلاء والبطالة وتراجع الخدمات في صدارة المطالب
وأكدت الأحزاب أنها ستعمل على إنجاح مسيرة 17 أكتوبر، معتبرة أنها تمثل فرصة لتجميع المطالب الاجتماعية والحقوقية في مواجهة ما وصفته بأزمة سياسية عميقة وتراجع متواصل في الأوضاع المعيشية.
وسلط البيان الضوء على تراجع القدرة الشرائية للتونسيين، وارتفاع الأسعار، وتفاقم البطالة، وتدهور الخدمات والمرافق العمومية، إلى جانب الصعوبات التي تواجه قطاعات واسعة من المجتمع.
وشددت الأحزاب على أن معالجة الأزمة لا تقتصر على الإجراءات الاقتصادية، بل تتطلب أيضا ضمان الحقوق السياسية والمدنية، ووقف الملاحقات المرتبطة بالتعبير عن الرأي والنشاط المعارض.
ويعكس هذا الموقف محاولة لربط الاحتجاج على الأوضاع المعيشية بمطالب الإصلاح السياسي، في وقت تسعى فيه القوى الداعية إلى المسيرة إلى توحيد تحركات اجتماعية وحقوقية متفرقة ضمن تحرك جماعي.
الإفراج عن المعتقلين ووقف ملاحقة المعارضين
وفي ملف الحريات، طالبت الأحزاب بالإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين وموقوفي الرأي، وكذلك الموقوفين على خلفية تضامنهم مع الشعب الفلسطيني، داعية إلى وقف التتبعات والمحاكمات المرتبطة بالنشاط السياسي والمدني والحقوقي.
وقالت الأحزاب إن أوضاع الحقوق والحريات تشهد، بحسب تقديرها، تدهورا خطيرا، مشيرة إلى محاكمات تعتبرها سياسية ولا تتوافر فيها ضمانات المحاكمة العادلة، وإلى احتجاز سياسيين ونقابيين ومدونين ومحامين وصحفيين.
كما أعلنت تضامنها مع المعتقلين السياسيين المضربين عن الطعام، ومن بينهم المعارض أحمد نجيب الشابي، محملة السلطات مسئولية سلامتهم، ومطالبة بضمان حقوق السجناء الأساسية، بما يشمل الزيارات والاطلاع على المعلومات والمطالعة.
وتأتي هذه المطالب في ظل استمرار الخلاف بين السلطات وقوى المعارضة بشأن طبيعة القضايا المرفوعة ضد عدد من السياسيين والنشطاء. وبينما تقول السلطات إن إجراءاتها تستهدف حماية الدولة ومواجهة التهديدات، تعتبر قوى معارضة ومنظمات حقوقية أن تلك الإجراءات تقيد المجال السياسي وتحد من الحريات العامة.
العاطلون عن العمل في قلب الاحتجاجات
وتناول البيان أوضاع العاطلين عن العمل من حاملي الشهادات العليا، حيث أشادت الأحزاب بتحركاتهم وانتقدت ما وصفته بعدم تنفيذ السلطة التزاماتها بشأن تسوية أوضاعهم المهنية، ولا سيما الاتفاقيات والإجراءات المعلنة المتعلقة بالتشغيل.
كما رفضت ما وصفته بالمقاربة الأمنية في التعامل مع احتجاجاتهم، متحدثة عن التضييق والمحاصرة والترحيل، ومنع تقدم «مسيرة الكرامة» نحو العاصمة.
وتسلط هذه القضية الضوء على استمرار التحديات المرتبطة بالتشغيل والقدرة الشرائية والخدمات العامة، وهي ملفات تمثل محورا أساسيا في التعبئة لمسيرة 17 أكتوبر، إلى جانب المطالب السياسية والحقوقية.
رفض مراسيم هيئة الانتخابات والحكم المحلي
وعلى الصعيد السياسي، أعلنت الأحزاب رفضها حزمة من المراسيم الصادرة عن السلطة، وخصّت بالذكر المرسوم المتعلق بتعيين هيئة الانتخابات، والمرسوم القاضي بإلغاء قانون الجماعات المحلية.
واعتبرت أن المرسوم المتعلق بهيئة الانتخابات يمس استقلاليتها ويعزز تبعيتها للسلطة التنفيذية، بينما رأت أن إلغاء قانون الجماعات المحلية يمثل تراجعا عن مسار اللامركزية والحكم المحلي، اللذين تعدهما من مكاسب الثورة التونسية.
ودعت الأحزاب إلى تجاوز المسار السياسي الذي بدأ مع إجراءات 25 يوليو 2021، وفتح مرحلة انتقال ديمقراطي جديدة تعيد للمؤسسات الجمهورية دورها، وتضمن الحقوق والحريات والعدالة الاجتماعية.
كما تعهدت بالعمل على بناء مشروع وطني يجمع القوى الديمقراطية والتقدمية والاجتماعية واليسارية، ويضع مقاومة الاستبداد وتحقيق العدالة بين الجهات والأفراد ضمن أولوياته، وفق ما جاء في البيان.
أحكام قضية «التآمر» تزيد التوتر بين السلطة والمعارضة
وتأتي الدعوة إلى المسيرة في سياق سياسي متوتر منذ الإجراءات التي أعلنها الرئيس قيس سعيّد في 25 يوليو 2021، والتي وسّعت صلاحياته، قبل إقرار دستور جديد عام 2022 عزز موقع الرئاسة في النظام السياسي.
ومنذ ذلك الحين، تصاعدت المواجهة بين السلطة ومعارضيها، وسط ملاحقات قضائية واعتقالات طالت سياسيين ومحامين وصحفيين ونشطاء، وفق تقارير وبيانات صادرة عن جهات حقوقية ومعارضة.
وتتزامن الدعوة إلى المسيرة مع تثبيت محكمة التعقيب، في سبتمبر الماضي، أحكاما بالسجن بحق عدد من أبرز وجوه المعارضة في قضية «التآمر على أمن الدولة»، بينهم أحمد نجيب الشابي وشيماء عيسى وجوهر بن مبارك وغازي الشواشي والعياشي الهمامي وعبد الحميد الجلاصي.
كما تأتي وسط انتقادات حقوقية للمحاكمات والإجراءات المتخذة بحق المعارضين، بالتوازي مع احتجاجات داخل السجون على ظروف الاحتجاز والقيود المفروضة على السجناء.
مسيرة 17 أكتوبر.. اختبار لتوحيد المعارضة
تتجه الأنظار إلى مسيرة 17 أكتوبر باعتبارها محطة لاختبار قدرة الأحزاب والمنظمات الداعية إليها على جمع المطالب الاجتماعية والاقتصادية والحقوقية في تحرك مشترك.
ويتمثل التحدي أمام الجهات المنظمة في توسيع المشاركة وتوحيد الأولويات بين قوى تختلف في خلفياتها وبرامجها، لكنها تتقاطع في اعتراضها على جوانب من المسار السياسي القائم ومطالبها بتحسين الأوضاع المعيشية وضمان الحريات.
وسيكون حجم المشاركة ومدى تفاعل الشارع مع الدعوة من المؤشرات المهمة على قدرة هذه القوى على تحويل المطالب المعلنة إلى ضغط سياسي واجتماعي، في مرحلة تتداخل فيها أزمة المعيشة مع الخلاف بشأن مستقبل المؤسسات والحريات في تونس.