الإخوان والغرب.. قراءة تاريخية تكشف حسابات واشنطن ولندن وتل أبيب ومخاطر شيطنة الخصوم

- ‎فيتقارير

أعاد الدكتور كمال الجندي، الأستاذ بجامعة الإسكندرية، فتح أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في التاريخ السياسي المصري والعربي، والمتعلق بطبيعة العلاقة بين جماعة الإخوان المسلمين والولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل، ومدى ارتباط المواقف الغربية من الجماعة بالمصالح الاستراتيجية والتحالفات الإقليمية.

وجاء ذلك من خلال قراءة تحليلية نشرها الجندي عبر صفحته على موقع «فيسبوك»، تناول فيها كتاب «الإخوان المسلمون والغرب: تاريخ من العداء والاشتباك» للمؤرخ البريطاني مارتن فرامبتون، الصادر عن مطبعة جامعة هارفارد عام 2018.

وتتجاوز القراءة حدود العلاقة التاريخية بين الجماعة والعواصم الغربية، لتطرح سؤالًا أكثر اتساعًا: هل تنشأ الانقسامات السياسية الحادة داخل المجتمعات العربية نتيجة خلافاتها الداخلية وحدها، أم أن القوى الخارجية تستطيع توظيف هذه الانقسامات وتغذيتها بما يخدم مصالحها؟

ويرى الجندي أن تحويل الإسلاميين، وفي مقدمتهم جماعة الإخوان المسلمين، إلى «عدو وجودي» لا يمكن فهمه بمعزل عن حسابات القوى الغربية والإسرائيلية، خصوصًا فيما يتعلق بمستقبل القضية الفلسطينية، والتطبيع مع الاحتلال، وطبيعة الأنظمة السياسية العربية.

غير أن هذه الأطروحة تمثل قراءة سياسية يقدمها الجندي للتاريخ الذي يناقشه الكتاب، ولا تعني بالضرورة أن المؤرخ البريطاني يتبنى جميع استنتاجاتها، أو أن وجود مصالح خارجية يثبت وحده وجود خطة موحدة لتفكيك المجتمعات العربية.

 

شيطنة الإخوان.. من الخصومة السياسية إلى الإقصاء

يضع الجندي الانقسام الداخلي في مقدمة التحديات التي تواجه المجتمعات العربية، معتبرًا أن الخطر لا يكمن في الاختلاف بين التيارات السياسية والفكرية، وإنما في تحويل هذا الاختلاف إلى صراع وجودي يقوم على التخوين والإقصاء.

فوجود خلافات بين الإسلاميين والعلمانيين، أو بين جماعة الإخوان المسلمين وخصومها السياسيين، أمر طبيعي في المجتمعات التي تتعدد فيها الرؤى والمصالح.

لكن المشكلة تبدأ، وفق قراءته، عندما يتحول الخصم السياسي إلى عدو يُنظر إليه باعتباره خارجًا عن الجماعة الوطنية، ويصبح استبعاده من المجال العام هدفًا يتقدم على الحوار والمنافسة والمحاسبة.

ويشير هذا الطرح إلى ضرورة التمييز بين نقد تجربة الإخوان المسلمين، بما تتضمنه من قرارات وأخطاء سياسية وتنظيمية تستحق المراجعة، وبين تعميم الاتهامات على جميع المنتمين إلى التيار الإسلامي أو حرمانهم من حقوقهم السياسية والمدنية بسبب انتمائهم الفكري.

وفي المقابل، لا يعني رفض الإقصاء إعفاء الجماعة من مسئولية مراجعة تجربتها، أو تجاهل دور الصراعات السياسية المتبادلة في تعميق الاستقطاب.

ويرى الجندي أن استمرار الصراع الصفري بين مكونات المجتمع يؤدي إلى استنزاف طاقاته، ويضعف قدرته على مواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية، ويخلق بيئة يمكن توظيفها لخدمة مصالح داخلية وخارجية.

 

ماذا يكشف كتاب فرامبتون عن العلاقة بين الإخوان والغرب؟

يستند النقاش الذي يطرحه الجندي إلى كتاب المؤرخ البريطاني مارتن فرامبتون، الذي يتناول تاريخ العلاقة بين جماعة الإخوان المسلمين والقوى الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا.

وتعود أهمية الكتاب إلى تتبعه مسارًا تاريخيًا طويلًا بدأ مع تأسيس الجماعة عام 1928، وامتد عبر مراحل شهدت تحولات كبيرة في النظام الدولي والسياسة الإقليمية.

وتكشف هذه المقاربة أن العلاقة بين الجماعة والعواصم الغربية لم تكن ثابتة، بل تداخلت فيها اعتبارات أمنية ودبلوماسية واستراتيجية، وتغيرت تبعًا للظروف السياسية والتحالفات وموازين القوى.

ففي بعض المراحل، سعت أطراف غربية إلى فهم الجماعة أو التواصل معها، بينما غلبت في مراحل أخرى المخاوف من نفوذها السياسي والاجتماعي، أو من تأثيرها المحتمل في الترتيبات الإقليمية.

ومن هنا، يرفض الجندي اختزال العلاقة في تصور واحد، سواء باعتبار الغرب عدوًا دائمًا للجماعة، أو باعتبار جميع مواقفه منها ناتجة حصريًا عن موقفها من إسرائيل.

لكنه يلفت الانتباه إلى أن المصالح الاستراتيجية قد تكون عاملًا حاسمًا في تحديد طبيعة التعامل الغربي مع الإسلام السياسي، بما يجعل الخطاب المعلن عن الديمقراطية وحقوق الإنسان بحاجة دائمة إلى المقارنة بالسياسات الفعلية.

 

الحرب الباردة.. عندما تتقدم المصالح على الأيديولوجيا

خلال الحرب الباردة، كانت الولايات المتحدة وبريطانيا تنظران إلى الشرق الأوسط من زاوية الصراع مع الاتحاد السوفيتي، وصعود القومية العربية، وحماية المصالح الغربية في المنطقة.

وفي تلك المرحلة، تداخلت الحسابات الاستراتيجية مع المواقف من الحركات الإسلامية، التي كانت بدورها جزءًا من المشهد السياسي والاجتماعي في عدد من الدول العربية.

وتشير القراءة إلى أن تقاطع المصالح بين بعض القوى الغربية وتيارات إسلامية في مواجهة خصوم مشتركين كان ممكنًا في ظروف معينة، من دون أن يعني ذلك وجود تحالف دائم أو تطابق في الأهداف السياسية.

فالدول قد تتواصل مع قوى سياسية تختلف معها أيديولوجيًا عندما ترى في هذا التواصل منفعة استراتيجية، ثم تعيد تقييم موقفها منها إذا تغيرت الظروف.

وفي المقابل، ظلت الحركات الإسلامية مصدر قلق لدى دوائر غربية، بسبب برامجها السياسية، ومواقفها من إسرائيل والقضية الفلسطينية، واختلاف توجهاتها بشأن المشاركة السياسية والعنف والتغيير.

وبذلك، فإن فهم العلاقة التاريخية بين الإخوان والغرب يتطلب دراسة كل مرحلة في سياقها، بدلًا من افتراض وجود موقف غربي موحد وثابت عبر العقود.

 

11 سبتمبر… كيف أعادت «الحرب على الإرهاب» تشكيل صورة الإسلاميين؟

مثلت هجمات 11 سبتمبر 2001 نقطة تحول رئيسية في السياسة الأمريكية تجاه العالم الإسلامي، بعدما أصبحت مكافحة الإرهاب محورًا أساسيًا في الاستراتيجية الأمنية لواشنطن.

ومع اتساع نطاق «الحرب على الإرهاب»، تصاعدت النقاشات الغربية بشأن العلاقة بين الإسلام السياسي والتطرف العنيف، وحدود التمييز بين الحركات التي تشارك في العمل السياسي والتنظيمات التي تتبنى العنف المسلح.

وفي هذا السياق، يحذر الجندي من خطورة التعميم الذي يضع مختلف الحركات الإسلامية في فئة واحدة، من دون النظر إلى اختلاف بنيتها التنظيمية وممارساتها وبرامجها السياسية.

فالتقييم الجاد لأي حركة، وفق هذه المقاربة، يجب أن يستند إلى سلوكها الفعلي ومواقفها المعلنة وممارساتها، لا إلى مجرد انتمائها إلى تيار فكري واسع.

وفي الوقت نفسه، فإن المشاركة في العمل السياسي لا تعفي أي تنظيم من المساءلة عن ممارساته أو علاقته بالعنف أو موقفه من حقوق الآخرين.

وتكتسب هذه القضية أهمية تتجاوز جماعة الإخوان المسلمين، لأنها تتعلق بمدى قدرة الدول على وضع سياسات أمنية تستند إلى أدلة محددة، بدلًا من التصنيفات الواسعة التي قد تؤدي إلى الخلط بين تيارات مختلفة.

 

الربيع العربي وانقلاب 2013.. اختبار الديمقراطية والمصالح الغربية

تحتل السنوات الممتدة من ثورات الربيع العربي عام 2011 إلى الانقلاب على الرئيس الراحل محمد مرسي في يوليو 2013 موقعًا محوريًا في قراءة الجندي.

فقد أدت الثورات العربية إلى صعود قوى سياسية جديدة، ووضعت الحكومات الغربية أمام واقع مختلف، اضطرت معه إلى التعامل مع تيارات لم تكن جزءًا من ترتيبات السلطة التقليدية.

وفي مصر، وصل الإخوان المسلمون إلى الحكم عبر انتخابات عام 2012، قبل أن تنتهي التجربة بالانقلاب علي الرئيس محمد مرسي في 3 يوليو 2013، وسط استقطاب سياسي واجتماعي حاد واحتجاجات واسعة.

ويربط الجندي هذه المرحلة بمخاوف غربية وإسرائيلية من احتمالات تغير السياسة المصرية تجاه القضية الفلسطينية، أو تأثر الترتيبات الأمنية الإقليمية بصعود الإسلاميين إلى السلطة.

ومن وجهة نظره، لا يمكن فصل المواقف الخارجية من التجربة المصرية عن حسابات المصالح الاستراتيجية، وفي مقدمتها العلاقة مع إسرائيل واستقرار الترتيبات الإقليمية القائمة.

لكن تفسير ما جرى في مصر لا يقتصر على العامل الخارجي، إذ يتطلب كذلك دراسة أداء حكم الإخوان، وطبيعة علاقته بمؤسسات الدولة، وأزمة التوافق مع القوى السياسية الأخرى، والاحتجاجات الشعبية، وموقف المؤسسة العسكرية.

كما أن رصد مخاوف أو اتصالات خارجية لا يكفي بمفرده لإثبات أن حكومات أجنبية خططت بصورة مباشرة لإسقاط التجربة السياسية.

ومع ذلك، تبقى هذه المرحلة اختبارًا مهمًا لمدى اتساق الخطاب الغربي الداعم للديمقراطية مع السياسات العملية عندما تأتي نتائج الانتخابات بقوى تختلف معها بعض الحكومات في رؤيتها الإقليمية.

 

بريطانيا والإخوان.. مراجعة كاميرون تكشف تعقيدات التصنيف

من المحطات التي تتناولها القراءة مراجعة الحكومة البريطانية لنشاط جماعة الإخوان المسلمين، التي أطلقها رئيس الوزراء الأسبق ديفيد كاميرون عام 2014، وأعلنت خلاصاتها عام 2015.

وأثارت هذه المراجعة نقاشًا بشأن طبيعة العلاقة بين التقييم الأمني والقرار السياسي، ومدى تأثير الاعتبارات الدبلوماسية والإقليمية في تحديد المواقف من الجماعة.

ويرى الجندي أن النقاشات الغربية بشأن الإخوان كشفت عن تباينات داخل دوائر صنع القرار حول جدوى الحظر الشامل، ومدى دقته القانونية، وآثاره السياسية والأمنية.

فوجود جهات تطالب بتشديد الإجراءات ضد الجماعة لا يعني بالضرورة أن جميع مؤسسات الدولة تتبنى التوجه نفسه.

وفي المقابل، فإن عدم فرض حظر شامل لا يعني أن الحكومة المعنية تؤيد الجماعة أو تتبنى مواقفها السياسية.

وتكشف هذه الحالة عن أهمية الفصل بين ثلاثة مستويات: الرأي السياسي في الجماعة، والتقييم الأمني لأنشطتها، والقرار القانوني المتعلق بتصنيفها.

كما تبرز ضرورة الاستناد إلى أدلة محددة عند اتخاذ قرارات قد تؤثر في حقوق الأفراد والمؤسسات، بدلًا من الاكتفاء بالخصومة السياسية أو الاختلاف الأيديولوجي.

 

إسرائيل وفلسطين.. هل يمثل موقف الإخوان مصدرًا للقلق الإقليمي؟

تحتل القضية الفلسطينية موقعًا أساسيًا في أطروحة الجندي، الذي يعتبر أن موقف جماعة الإخوان المسلمين من إسرائيل والمقاومة الفلسطينية يمثل أحد العوامل المهمة لفهم التوجس الإسرائيلي من نفوذ الجماعة السياسي والاجتماعي.

ويرى أن تأثير التيارات الإسلامية لا يقتصر على المنافسة داخل الأنظمة السياسية العربية، بل يمتد إلى قدرتها على التأثير في الرأي العام بشأن التطبيع والعلاقات مع إسرائيل.

ومن هذا المنطلق، فإن وجود قوى سياسية واجتماعية منظمة تتبنى مواقف معارضة للتطبيع قد يمثل عامل ضغط على الحكومات التي تسعى إلى توسيع علاقاتها الإقليمية.

لكن الموقف من القضية الفلسطينية ليس العامل الوحيد الذي يفسر علاقة إسرائيل أو الحكومات الغربية بالإخوان المسلمين.

فهناك اعتبارات أمنية ودبلوماسية وسياسية أخرى، إلى جانب اختلاف ظروف كل دولة عربية، وتباين مواقف فروع الجماعة والتيارات الإسلامية المختلفة.

كما أن وجود مخاوف إسرائيلية من صعود تيار سياسي لا يثبت تلقائيًا أن جميع الإجراءات المتخذة ضده تستهدف حماية إسرائيل.

وتظل أهمية قراءة الجندي في طرح العلاقة بين القضية الفلسطينية والصراعات الداخلية للنقاش، مع ضرورة التمييز بين المصالح المحتملة والوقائع التي يمكن إثباتها بالوثائق.

 

شيطنة الخصوم.. من المستفيد من تفكيك المجال الوطني؟

تصل قراءة الجندي إلى استنتاج يتجاوز العلاقة بين الإخوان المسلمين والغرب، ويتمثل في أن تحويل الخلاف السياسي إلى عداوة وجودية قد يؤدي إلى إضعاف الدولة الوطنية نفسها.

فعندما يصبح الخصم السياسي خارجًا عن دائرة الانتماء الوطني، تتراجع فرص الحوار والمراجعة، ويزداد الميل إلى تبرير الإقصاء، وتتحول المنافسة السياسية إلى صراع على حق الآخرين في الوجود والمشاركة.

وفي هذه البيئة، قد تصبح المؤسسات السياسية والإعلامية أدوات لتكريس الاستقطاب، بدلًا من أن تكون مساحات لإدارة الخلاف والتنافس السلمي.

ويرى الجندي أن استمرار هذه الحالة يستنزف موارد المجتمعات، ويضعف قدرتها على مواجهة الأزمات الاقتصادية والتحديات الاستراتيجية، ويحد من فرص بناء سياسات وطنية مستقلة.

كما أن الانقسامات الحادة قد تتيح للقوى الخارجية فرصًا للتأثير في التوازنات الداخلية، سواء عبر العلاقات السياسية أو التحالفات أو الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية.

غير أن الاستفادة الخارجية المحتملة من الانقسام لا تعني بالضرورة أن القوى الخارجية هي التي أنشأته أو تتحمل وحدها المسؤولية عنه.

فالصراعات الداخلية لها أيضًا جذورها السياسية والاجتماعية والتاريخية، ولا يمكن تجاوزها من دون مراجعة مواقف جميع الأطراف.

 

هل يمكن استعادة التوافق الوطني؟

تطرح القراءة سؤالًا بشأن مستقبل التعايش السياسي في المجتمعات العربية، وفي مقدمتها مصر، بعد سنوات من الاستقطاب والصراع بين السلطة والقوى السياسية المختلفة.

فاستعادة التماسك الوطني، وفق هذا المنظور، لا تتحقق بمجرد الدعوة إلى المصالحة، وإنما تحتاج إلى قواعد واضحة تضمن المساواة أمام القانون، وحق المشاركة السياسية، وحرية النقد، والمحاسبة على الانتهاكات، ورفض العنف والإقصاء.

كما تتطلب الاعتراف بأن أي تيار سياسي لا يمتلك وحده حق تمثيل المجتمع، وأن الاختلاف الفكري لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لحرمان المواطنين من حقوقهم.

ومن هنا، فإن مساءلة خطاب شيطنة الإخوان المسلمين يجب أن تقترن أيضًا بمساءلة أي خطاب إقصائي قد يصدر عن الجماعة أو خصومها.

فالحقوق السياسية والمدنية لا يمكن أن تكون امتيازًا لفريق دون آخر، كما أن بناء الدولة الوطنية لا يستقيم إذا جرى التعامل مع الخلافات السياسية باعتبارها معارك لإلغاء الخصوم.

 

التاريخ لا يقدم إجابات جاهزة.. لكنه يكشف طبيعة الصراع

تكمن أهمية قراءة الدكتور كمال الجندي لكتاب مارتن فرامبتون في أنها تعيد طرح العلاقة بين الصراعات الداخلية والمصالح الخارجية، وتدعو إلى النظر في كيفية تشكل الصور السياسية والأمنية عن الحركات الإسلامية.

فالتاريخ يكشف أن مواقف القوى الدولية من الحركات السياسية لا تتحدد دائمًا وفق اعتبارات أيديولوجية ثابتة، وإنما تتأثر بالمصالح والتحالفات والظروف الإقليمية.

لكنه لا يقدم، في المقابل، دليلًا تلقائيًا على وجود خطة واحدة ومستمرة تدير جميع الصراعات العربية أو تتحكم في مواقف مختلف القوى السياسية.

ولذلك، فإن القيمة الحقيقية لأي قراءة تاريخية تتوقف على قدرتها على التمييز بين الوقائع الموثقة والتفسيرات السياسية، وبين ما يقوله المؤلف الأصلي وما يستخلصه قارئه من نتائج.

وفي المحصلة، لا يتعلق السؤال فقط بما إذا كانت واشنطن أو لندن أو تل أبيب قد اتخذت مواقف متغيرة من جماعة الإخوان المسلمين، بل يمتد إلى قدرة المجتمعات العربية على منع خلافاتها السياسية من التحول إلى صراعات استئصالية.

فالدولة الوطنية لا تصبح أكثر قوة بإقصاء أحد مكوناتها السياسية، ولا يتحقق استقلالها بمجرد اتهام الخارج بالتدخل، وإنما ببناء مؤسسات قادرة على إدارة الاختلاف، وضمان الحقوق المتساوية، ومحاسبة جميع الأطراف، وحماية القرار الوطني من الارتهان للصراعات الداخلية أو المصالح الخارجية.