أصدرت مؤسسة مرسي للديمقراطية (Morsi Foundation For Democracy) بيانًا رسميًا حاد اللهجة، علّقت فيه على المقابلة الإعلامية الأخيرة التي أجراها وزير الداخلية الأسبق اللواء محمد إبراهيم يوسف في بودكاست «شهادة للتاريخ». ووصف البيان تلك التصريحات بأنها "محاولة للإساءة والافتراء وتوجيه اتهامات" بحق الرئيس الراحل محمد مرسي ورئيس وزرائه الأسبق الدكتور هشام قنديل.
وقد فتح هذا البيان الباب على مصرعيه أمام نقاش سياسي وإعلامي واسع في العالم العربي حول أخلاقيات العمل العام، وحدود الخصومة السياسية، وحرمة ومروءة التعامل مع الراحلين عن الدنيا.
وركّز البيان على أربعة محاور رئيسية، تراوحت بين الإشادة بالموقف الشعبي المصري، والتذكير بمسئولية رجال الدولة، ونقد المنظومة الإعلامية الحالية..
وتوجهت المؤسسة عبر @morsidemocracy بالشكر والتقدير إلى الشعب المصري الذي قابل تصريحات الوزير الأسبق بالرفض التام، حيث أشار البيان إلى أن ما ظنه الوزير انتقاصًا من قدر الرئيس الراحل (عبر السخرية من ملابسه البسيطة أو عاداته الاجتماعية) فتحول إلى مناسبة قومية كشفت عن محبة قطاعات واسعة من الشعب له، وعن وعي مجتمعي حقيقي بحقيقة ما جرى، مما جعل الهجوم يأتي بنتائج عكسية تمامًا لصالح الرئيس الراحل.
وعقدت المؤسسة مقارنة أخلاقية وقانونية بين سلوك الوزير الأسبق وسلوك الرئيس الراحل أثناء المسئولية وبعدها.
التزام المناصب السيادية: وأكدت المؤسسة أن المناصب العامة، ولا سيما الأمنية والسيادية منها، تفرض على صاحبها التزامًا بأعلى درجات الانضباط واحترام القانون، والابتعاد التام عن تصفية الحسابات السياسية عبر المنابر العامة.
حفظ أسرار الدولة: ذكّر البيان بأن الرئيس مرسي، وحجم الملاحقة والمحاكمات المسيسة التي تعرض لها، رفض تمامًا الخوض في أسرار الدولة أمام وسائل الإعلام إدراكًا منه لمسئوليته الوطنية.
غياب المروءة: استنكر البيان توجيه اتهامات وافتراءات لشخص فارق الحياة ولم يعد بمقدوره الرد أو الدفاع عن نفسه، معتبرًا ذلك خروجًا عن "مروءة الرجال" والتقاليد الإنسانية والدينية للمجتمع المصري.
وشن البيان هجومًا عنيفًا على ما وصفه بـ "منظومة العبث الإعلامي" في مصر وتراجع القيم المهنية، حيث اعتبرت المؤسسة أن السماح بتكرار هذه التجاوزات وتقديمها للمشاهد كـ"مادة إعلامية" يكشف عن تراجع خطير في الأخلاقيات المهنية وغياب كامل لجهات التقويم والمحاسبة الفاعلة.
وعن حدود الحرية، شدد البيان على أن حرية الإعلام لا تعني أبدًا إسقاط المسئولية القانونية، ولا يجوز أن تتحول الشاشات إلى أدوات للتشهير وانتهاك الكرامة الإنسانية دون مساءلة.
وأهابت المؤسسة في ختام بيانها بعقلاء الدولة ومؤسساتها، والمسئولين عن القطاع الإعلامي، بضرورة الاضطلاع بمسئولياتهم الوطنية والمهنية، والابتعاد عن كل ما يعمق الانقسام المجتمعي ويضر بالوطن، داعية إلى تغليب مصلحة مصر وصون القانون وكرامة الإنسان فوق الخصومات السياسية الضيقة.
https://x.com/morsidemocracy/status/2110698524266356875
أدلة دامغة ووثائق رسمية
وأثارت تصريحات وزير الداخلية الأسبق، اللواء محمد إبراهيم يوسف (وزير الداخلية في حكومة كمال الجنزوري خلال فترة المجلس العسكري)، في بودكاست «شهادة للتاريخ» مع الذراع الإعلامية مصطفى بكري، موجة عارمة من الجدل على منصات التواصل الاجتماعي ومواقع الأخبار.
وتنوعت تصريحاته بين سرد كواليس أمنية لثورة يناير 2011 وما تلاها، وبين توجيه اتهامات شخصية واجتماعية للرئيس الراحل محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين، مما فتح الباب أمام ردود قاسية وتفنيد واسع لرواياته من قبل نشطاء ومنصات تحقيق وتقارير رسمية سابقة.
في ميزان الحقائق والردود الدامغة
أولاً: المحاور الرئيسية لتصريحات اللواء محمد إبراهيم يوسف
تنقسم شهادة وزير الداخلية الأسبق في بودكاست «شهادة للتاريخ» إلى شقين رئيسيين: ملفات أمنية كبرى، واتهامات شخصية واجتماعية لخصومه السياسيين:
1. الملفات الأمنية والسياسية الكبرى:
- اقتحام السجون (يناير 2011): زعم يوسف أن اقتحام السجون تم عبر عملية مسلحة ومنظمة من الخارج باستخدام الجرافات بعد انهيار الشرطة في 29 يناير 2011. ونقل عن اللواء عمر سليمان دخول عناصر من حماس وحزب الله عبر الحدود لتهريب قيادات الإخوان (بمن فيهم محمد مرسي وسعد الكتاتني)، مشيرًا إلى هروب نحو 23 ألف مسجون.
- إعادة تشغيل جهاز أمن الدولة: أفاد بأن ضباط أمن الدولة كانوا متوقفين عن العمل تمامًا وخائفين من ملاحقة الإخوان لهم بعد الثورة. وذكر أن المشير محمد حسين طنطاوي تدخّل وطلب منه طمأنتهم، فاجتمع بهم وحثهم على العودة للعمل شريطة الالتزام بـ "القانون".
- مجزرة استاد بورسعيد (فبراير 2012): ادعى يوسف أن لديه قناعة كاملة بأن جماعة الإخوان كانت تقف وراء المجزرة، مؤكدًا أن ما جرى لم يكن شغبًا طبيعيًا بل إن "عنصر المفاجأة" هو ما أربك قوات الأمن وقتها، مستندًا إلى كونه كان وزيرًا للداخلية حينها.
2. الاتهامات الشخصية والروايات المثيرة للجدل:
- الاستهزاء بالمظهر والسلوك الاجتماعي: سخر يوسف من نمط حياة الإخوان والرئيس مرسي، قائلًا إن عناصر الجماعة كانوا "يفرشون في حديقة قصر الاتحادية ويمصون القصب". وتباهى بأن الأمن التقط صورًا للرئيس مرسي في بلده بالشرقية وهو يرتدي "الجلابية على الترعة ومن غير شبشب".
- التجسس والتجاوز اللفظي: تطاول لفظيًا على رئيس الوزراء الأسبق الدكتور هشام قنديل واصفًا إياه بـ "الواد ده"، وتردد شائعة كاذبة عن وجود صلة "نسب ومصاهرة" بين قنديل ومرسي. كما تباهى علنًا بتجسس الجهاز على زوجة رئيس الجمهورية وفرض رقابة صارمة على القيادات كافة.
- رواية التهديد بالقتل: زعم يوسف أن مرسي طلب من قيادات الجماعة التنحي لأنه لم يعد قادرًا على إدارة الرئاسة، فهدده خيرت الشاطر قائلًا: "هنقتلك ونخطف عيالك".
- الاعتراف غير المقصود: سقط من الوزير اعتراف مثير أثناء حديثه عن التجسس والرقابة الصارمة على الإخوان حيث قال: "كانت الصدمة لنا إننا لم نجد أي فساد ولا رشاوى.. كانت صدمة فظيعة للجهاز بالكامل".
ثانياً: الردود وتفنيد روايات الوزير الأسبق
واجهت المنصات الحقوقية، والتقارير الرسمية، والنشطاء هذه التصريحات بموجة من الأدلة الداحضة والتهكم الساخر لتفكيك الرواية الأمنية:
1. دحض رواية "الاقتحام الخارجي للسجون":
- شهادة المقدم عمرو الدردير (رئيس مباحث سجن المنيا الأسبق): كشف في مقطع فيديو مع الإعلامي حافظ المرازي أن قيادات وزارة الداخلية (مثل اللواء محسن مراد مدير أمن المنيا) تعمدت تسهيل تهريب المساجين لإحداث فوضى في البلاد وعقاب الشعب على ثورته (1:46). وأكد الدردير أنه عوقب بالإيقاف عن العمل لأنه رفض أوامر قياداته بفتح السجن وتمسك بموقعه الوطني (5:29). وأوضح أن سجونًا معدودة فقط (مثل المرج وأبو زعبل) هي التي فُتحت من الخارج (1:30)، بينما 15 سجنًا آخر هُرّب مسجنوها بمعرفة وتواطؤ قيادات مصلحة السجون.
- تقرير لجنة تقصي الحقائق: صرح المستشار عمر مروان (الأمين العام للجنة) سابقًا بأن اللجنة لم تجد أي دليل يثبت تورط الإخوان في اقتحام السجون. وثبت في تقارير اللجنة أن الشرطة في عدة سجون أطلقت الغاز المسيل للدموع والرصاص داخل العنابر لدفع المساجين إلى التمرد المفتعل، لإظهار أن خروجهم كان نتيجة فشل الحراسة وليس بتواطؤ عمدي من القيادات.
2. ملف مقتل اللواء محمد البطران:
- أثبت تقرير لجنة تقصي الحقائق كذب الرواية الأمنية الرسمية التي ادعت مقتل رئيس مباحث قطاع السجون اللواء محمد البطران على يد مسجونين؛ حيث أكد التقرير أن البطران قُتل برصاص أفراد الشرطة أنفسهم من أبراج الحراسة في سجن القطا (7:15). وجاءت تصفيته بعد ممانعته الشديدة لفتح السجون وتأكيده لشقيقته د. منال في اتصال هاتفي أن "حبيب العادلي يريد إحراق البلد".
3. ملف جهاز أمن الدولة وعقدة "العمل بالقانون":
- التناقض مع الواقع الميداني: فند النشطاء ادعاء يوسف بأن الضباط توقفوا خوفًا من الإخوان؛ مؤكدين أن الثوار هم من حاصروا واقتحموا المقرات (مثل مقري مدينة نصر والإسكندرية في مارس 2011) بعد ثبوت قيام الضباط بفرم وإحراق المستندات والملفات السرية لتدمير الأدلة، وصدر بعدها قرار رسمي من الوزير منصور العيسوي بحل الجهاز.
- الانتقاد الحقوقي للخطاب: أثار قول الوزير للضباط "المهم نشتغل الفترة دي بالقانون" تهكمًا واسعًا من المغردين (مثل حساب مزيد)، الذين اعتبروا التصريح اعترافًا ضمنيًا فاضحًا بأن العقيدة الأصلية والمستقرة لعمل الجهاز خارج هذا التوقيت كانت قائمة على البلطجة وانتهاك القانون.
4. شماعة بورسعيد ومسئولية الوزير المباشرة:
- هاجم النشطاء محاولة اللواء يوسف إلقاء اللوم على الإخوان في مجزرة بورسعيد بعد 14 عامًا، مذكرين بأنه كان وزير الداخلية الفعلي المسئول جنائيًا وسياسيًا عن تأمين المباراة قبل صعود الإخوان للحكم.
- وأشاروا إلى أن يوسف قام بنفسه، وقبل المباراة بأيام، بنقل مدير أمن بورسعيد وتعيين اللواء عصام سمك الذي أدين لاحقًا في القضية وثبت تقصيره الأمني الجسيم. كما أثار النشطاء تساؤلات حول سبب إغلاق بوابات مدرج الأهلي باللحام وكيف يبرر الوزير هذا الإجراء الأمني الكارثي المعيق لإنقاذ الجماهير.
5. السخرية من الروايات الاجتماعية وتدني الخطاب الأمني:
- عقدة الجلابية والترعة والاعتراف بالنزاهة: رد "المجلس الثوري المصري" ونشطاء آخرون بأن جلوس رئيس وسط أهله بملابس بسيطة وعفوية على ترعة قريته لا يعيبه في شيء، بل هو دليل على طهارة اليد وقربه من الشعب العادي. واعتبروا أن اعتراف الوزير بعجز جهازه عن ضبط أي فساد أو رشوة بعد رقابة صارمة وتجسس كامل هو "شهادة براءة ونزاهة مجانية" صدمت الجهاز الأمني نفسه.
- دحض رواية التهديد: فند مراقبون رواية رغبة مرسي في التنحي تحت تهديد خيرت الشاطر، مؤكدين أن الرئيس الراحل ذهب بنفسه وبملء إرادته مع فريقه الرئاسي قبيل أحداث 30 يونيو إلى دار الحرس الجمهوري، لثقته المطلقة في مؤسسات الدولة والجيش حتى اللحظة الأخيرة.
- انتقاد لغة الخطاب الأمني: تعجب متابعون من تدني لغة حوار قيادة أمنية تولت أمن مصر في مرحلة حرجة؛ حيث اعتمد خطابه على التباهي بالتجسس على الحرمات (زوجة رئيس الجمهورية)، واستخدام مصطلحات سوقية مثل "يمصوا قصب"، و"الواد ده"، مما يعكس عقليات أمنية تفتقر لأبسط بروتوكولات المهنية واللياقة، وتؤكد استحالة بناء دولة قانون متتقدمة بمثل هذه النماذج.
ويؤكد البيان الصادر عن "مؤسسة مرسي للديمقراطية" أن معركة الوعي والتأريخ لأحداث ثورة يناير وما تلاها لا تزال حية ومحتدمة. فالإفراط في محاولات تشويه الخصوم السياسيين بعد رحيلهم من قبل بعض الرموز الأمنية السابقة، تحوّل بموجب قوة الدفع الارتدادية على وسائل التواصل الاجتماعي إلى منصة لإعادة تقييم تلك القيادات، وإثبات نظافة يد خصومها، مما يعمق الفجوة بين الرواية الرسمية للأجهزة الأمنية وبين الوجدان الشعبي.