منتدى مصر 2026.. إعادة إنتاج الفشل الاقتصادي

- ‎فيتقارير

حكومة الانقلاب تعد برفع الأجور وتحسين الخدمات وخفض الديون.. وخبراء يتساءلون عن جدوى الوعود في ظل الغلاء وتراجع الجنيه وغياب المحاسبة

بينما اختتمت حكومة المنقلب السفيه عبد الفتاح السيسي فعاليات «منتدى مصر 2026» بإعلان حزمة واسعة من المستهدفات الاقتصادية والاجتماعية حتى عام 2030، تتصاعد التساؤلات بشأن قدرة السلطة على تحويل تلك الوعود إلى نتائج ملموسة، في ظل أزمة معيشية تضغط على ملايين المصريين، وتراجع القوة الشرائية للجنيه، وارتفاع أسعار السلع والخدمات، وتزايد أعباء الديون.

فالمنتدى الذي انعقد خلال الفترة من 19 إلى 24 أكتوبر بالعاصمة الإدارية الجديدة، وشهد استعراضًا مطولًا لما تعتبره الحكومة الانقلاببة إنجازات في قطاعات الاقتصاد والزراعة والإسكان والطاقة والتعليم، لم ينجح، بحسب منتقديه، في تقديم إجابات مقنعة عن السؤال الأكثر إلحاحًا لدى المواطنين: متى تنعكس الأرقام الحكومية على مستوى المعيشة، ومتى تتوقف موجات الغلاء التي تستنزف دخول الأسر المصرية؟

ورغم إعلان حكومة الانقلاب عن برنامج وطني للتحول الاقتصادي يتضمن 185 إجراء، إلى جانب وعود برفع الحد الأدنى للأجور إلى 15 ألف جنيه بحلول العام المالي 2029/2030، فإن خبراء اقتصاديين وسياسيين اعتبروا أن مخرجات المنتدى تعيد إنتاج خطاب حكومي متكرر، يقوم على إعلان مستهدفات مستقبلية دون تقديم ضمانات كافية لتنفيذها أو آليات واضحة لمحاسبة المسئولين عند الإخفاق.

ولم تتوقف الانتقادات عند مضمون الوعود، بل امتدت إلى تكلفة تنظيم المنتدى، وطبيعة المناقشات داخله، ومدى إتاحة الفرصة للخبراء والمشاركين لطرح الأسئلة، فضلًا عن غياب ملفات الإصلاح السياسي والحريات العامة عن أولويات النقاش.

 

وعود حتى 2030.. أرقام ضخمة تنتظر اختبار الواقع

خرج المنتدى بمجموعة واسعة من المستهدفات التي قدمتها الحكومة باعتبارها ملامح مرحلة جديدة من التحول الاقتصادي والتنمية المستدامة.

وفي مقدمة هذه المستهدفات، أعلن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بنظام الانقلاب خطة لرفع الحد الأدنى للأجور إلى 15 ألف جنيه بحلول العام المالي 2029/2030، مقارنة بنحو 8 آلاف جنيه حاليًا، مع استهداف تطبيق الزيادة للمعلمين خلال عامين، ورفع متوسط الإثابة للعاملين بالقطاع الطبي بنسبة 50%.

كما تضمنت المخرجات زيادة المخصصات الموجهة للخدمات إلى نحو 4.8 تريليون جنيه بحلول 2029/2030، مقارنة بنحو 2.3 تريليون جنيه في العام المالي الحالي، إلى جانب استهداف خفض الدين العام إلى 69.5% من الناتج المحلي الإجمالي.

وفي المجال الاقتصادي، أعلنت الحكومة استهداف تحقيق معدل نمو يصل إلى 6.8%، ورفع نسبة الاستثمار الكلي إلى 20% من الناتج المحلي، وخفض التضخم إلى نطاق يتراوح بين 5 و7%، فضلًا عن إنشاء خمس شركات تصل قيمة كل منها إلى مليار دولار.

أما القطاع الزراعي، فتضمنت الوعود زيادة الرقعة الزراعية من 10.5 ملايين فدان إلى 12.5 مليون فدان بحلول 2030، ورفع الاكتفاء الذاتي من القمح إلى 60% بدلًا من 55%، وزيادة سعر توريد أردب القمح إلى 2650 جنيهًا، وطن بنجر السكر إلى 2300 جنيه.

واستعرض المنتدى كذلك ما أعلنته الحكومة بشأن استصلاح وزراعة 2.2 مليون فدان في الدلتا الجديدة بتكلفة 800 مليار جنيه، ووصول مشروعات مبادرة "حياة كريمة" إلى نحو 60 مليون مواطن، وإنجاز خمسة ملايين وحدة سكنية.

غير أن هذه الأرقام، على ضخامتها، تثير تساؤلات بشأن مصادر التمويل، ومدى واقعية الجداول الزمنية، وحجم العائد الاقتصادي والاجتماعي المتوقع، خصوصًا في ظل الضغوط التي تواجهها الموازنة العامة.

 

15 ألف جنيه حدًا أدنى للأجور. ماذا ستساوي في 2030؟

يبرز ملف الأجور باعتباره أحد أكثر الملفات إثارة للجدل بين المخرجات المعلنة، خاصة أن رفع الحد الأدنى إلى 15 ألف جنيه بعد عدة سنوات لا يعني بالضرورة تحسنًا مماثلًا في مستوى معيشة المواطنين.

فالزيادة الاسمية في الرواتب قد تفقد جزءًا مهمًا من قيمتها إذا استمرت معدلات التضخم وارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية للعملة المحلية.

وفي هذا السياق، تساءل الخبير الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي عن القيمة الحقيقية التي سيمثلها الحد الأدنى للأجور في عام 2030، مقارنة بقيمته الحالية.

وقال الصاوي، في تعليقه على مخرجات المنتدى، إن الحديث عن تحسين الأجور بعد سنوات يتجاهل سؤالًا جوهريًا يتعلق بما سيتحمله المواطن من أعباء خلال تلك الفترة، وما إذا كانت الزيادات المعلنة ستعوض بالفعل ارتفاع الأسعار.

وأشار إلى أن استمرار التضخم وتراجع قيمة الجنيه قد يؤدي إلى تآكل أي زيادات مستقبلية، بما يجعل الحكم على نجاح السياسات الاقتصادية مرتبطًا بالقوة الشرائية الحقيقية للدخول، وليس بالأرقام الاسمية وحدها.

وتتضاعف أهمية هذه التساؤلات في ظل ارتفاع تكاليف الغذاء والسكن والطاقة والمواصلات والتعليم والعلاج، وهي بنود تستحوذ على نسبة كبيرة من إنفاق الأسر المصرية.

ومن ثم، فإن الاختبار الحقيقي للوعود الحكومية لن يكون في الوصول إلى رقم محدد للحد الأدنى للأجور، وإنما في قدرة هذا الأجر على توفير احتياجات معيشية مناسبة للمواطن وأسرته.

 

عبد الحافظ الصاوي: المنتدى يعيد إنتاج الفشل الاقتصادي

وجّه الخبير الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي انتقادات حادة إلى مخرجات المنتدى، معتبرًا أنها لا تمثل تحولًا حقيقيًا في إدارة الاقتصاد، وإنما استمرارًا للسياسات التي لم تنجح، من وجهة نظره، في معالجة الاختلالات الهيكلية المزمنة.

وقال إن الإعلان عن برامج اقتصادية جديدة حتى عام 2030 يمثل "إعادة إنتاج لحالة الفشل الموجودة في الاقتصاد المصري"، موضحًا أن مصر شهدت منذ سبعينيات القرن الماضي سلسلة طويلة من برامج الإصلاح الاقتصادي، مرورًا باتفاقات صندوق النقد الدولي في التسعينيات، وصولًا إلى البرامج المتعاقبة منذ عام 2016، دون أن تنجح تلك السياسات في بناء قاعدة إنتاجية قادرة على تلبية الاحتياجات الأساسية للمجتمع.

وأشار إلى استمرار الاختلال في الميزان التجاري، موضحًا أن الصادرات لا تغطي، وفق تقديره، سوى نحو نصف قيمة الواردات، وهو ما يفرض ضغوطًا متواصلة على النقد الأجنبي وسعر الصرف.

ويرى الصاوي أن هذه الاختلالات تنعكس بصورة مباشرة على قدرة الدولة على توفير احتياجاتها من الطاقة والغذاء والدواء، وتزيد تعرض الاقتصاد للصدمات الخارجية.

كما انتقد تراجع إنتاجية العامل المصري، وضعف مخرجات التعليم، واستمرار التضخم، وتزايد الأعباء المعيشية، معتبرًا أن هذه المؤشرات تكشف محدودية أثر برامج الإصلاح المعلنة على حياة المواطنين.

 

برامج تتكرر وحكومات لا تُحاسب

لم تقتصر انتقادات الصاوي على مضمون المستهدفات الاقتصادية، بل امتدت إلى غياب آليات واضحة للمحاسبة والتقييم، فبحسب رؤيته، اعتادت الحكومات المتعاقبة الإعلان عن خطط ومبادرات طويلة الأجل، دون أن تتوافر أدوات مؤسسية فعالة تسمح للمجتمع بمراجعة نتائجها أو مساءلة المسئولين عن عدم تنفيذها.

وتساءل عن مدى وجود برامج زمنية تفصيلية يمكن العودة إليها في عام 2030 لقياس ما تحقق بالفعل، ومقارنة النتائج بالوعود التي أعلنتها الحكومة.

كما انتقد ضعف الدور الرقابي للمؤسسات السياسية والمدنية، معتبرًا أن القيود المفروضة على المجال العام تحد من قدرة المجتمع على مساءلة السلطة بشأن أدائها الاقتصادي.

وربط الصاوي بين غياب الثقة في السياسات الحكومية وطبيعة إدارة الاقتصاد، مشيرًا إلى ما وصفه بسيطرة المؤسسة العسكرية على قطاعات واسعة من النشاط الاقتصادي، وما يرتبط بذلك من تساؤلات بشأن المنافسة والشفافية.

وقال إن هذه الأوضاع تكرس حالة من عدم الثقة بين المجتمع والحكومة، وبين القطاع الخاص والسلطة، وتزيد الغموض المحيط بالأداء الاقتصادي والمالي.

وتطرح هذه الانتقادات سؤالًا يتجاوز المنتدى نفسه: هل تحتاج مصر إلى إعلان برامج اقتصادية جديدة، أم إلى مراجعة السياسات السابقة وتحديد أسباب إخفاقها ومحاسبة المسؤولين عنها؟

 

التعليم والصحة والإسكان.. تعهدات جديدة وسط أزمات متراكمة

في قطاع التعليم، تضمنت مخرجات المنتدى وعودًا بتطوير 600 مدرسة فنية حتى عام 2030، وزيادة المدارس المصرية اليابانية من 103 مدارس إلى 500 مدرسة، وإنهاء نظام الفترات المسائية بحلول عام 2029. كما أعلنت الحكومة خططًا لتطوير المدارس الحكومية وتشغيل 27 جامعة أهلية وتكنولوجية بحلول 2030.

وفي قطاع الإسكان، تحدثت المخرجات عن توفير مليون وحدة سكنية خلال أربع سنوات باستثمارات تبلغ تريليون جنيه، بالتعاون مع صندوق "تحيا مصر"، إلى جانب إنشاء 200 ألف وحدة بنظام الإيجار المنتهي بالتملك.

وتضمنت الوعود تخصيص خمس مليارات جنيه سنويًا للمدن والقرى لتنفيذ مشروعات مياه الشرب والصرف الصحي، و42 مليار جنيه لرفع كفاءة الطرق المحلية.

أما في قطاع الطاقة، فأعلنت الحكومة استهداف الوصول بقدرات الطاقة الجديدة والمتجددة إلى 30 جيجاوات في عام 2028، وزيادة إنتاج الغاز الطبيعي إلى ست مليارات قدم مكعبة يوميًا، ورفع إنتاج الزيت الخام والمتكثفات إلى 700 ألف برميل يوميًا بحلول 2030.

ورغم أهمية هذه المستهدفات، فإن منتقدين يرون أن الإعلان عن أعداد المدارس والجامعات والوحدات السكنية لا يكفي وحده لتقييم جودة الخدمات أو مدى استفادة المواطنين منها.

فالاختبار الحقيقي لملف التعليم، على سبيل المثال، يرتبط بكثافة الفصول، ومستوى تأهيل المعلمين، وقدرة الأسر على تحمل النفقات، ومدى توافق مخرجات الدراسة مع احتياجات سوق العمل. وفي الإسكان، لا تنفصل أعداد الوحدات الجديدة عن أسعارها وشروط الحصول عليها ومدى ملاءمتها لدخول المواطنين.

 

أميرة صابر: قضايا التعليم الحقيقية غابت عن النقاش

انتقدت عضو مجلس النواب بنظام الانقلاب أميرة صابر طبيعة المناقشات التي شهدها المنتدى، معربة عن خيبة أملها بسبب عدم التطرق بصورة كافية إلى الأزمات الأساسية التي يعاني منها قطاع التعليم.

وأشارت إلى غياب مناقشة الفجوة بين النظم التعليمية واحتياجات سوق العمل، وعدم إعطاء الاهتمام الكافي لرواتب المعلمين وتأهيلهم، وأزمة نقص أعدادهم، وارتفاع كثافة الفصول الدراسية.

كما انتقدت محدودية المقاعد المتاحة في مدارس التكنولوجيا والعلوم، وعدم مناقشة بعض القضايا المرتبطة بالتوسع في التعليم الطبي ومعايير القبول.

واعتبرت أن المنتدى تحول إلى مناسبة يغلب عليها الطابع الكلامي، دون مؤشرات واضحة تمكنها، بصفتها برلمانية، من قياس أثر المناقشات على السياسات العامة.

وتكشف هذه الانتقادات عن فجوة بين الخطاب الحكومي الذي يركز على الأرقام والمستهدفات المستقبلية، وبين مطالب تتعلق بجودة الخدمات العامة وأثرها المباشر على المواطنين.

 

كم تكلف "منتدى مصر"؟ تساؤلات عن الإنفاق وغياب الشفافية

إلى جانب الانتقادات الاقتصادية، أثارت تكلفة تنظيم المنتدى جدلًا واسعًا، خصوصًا مع انعقاده في فندق "سانت ريجيس" بالعاصمة الإدارية الجديدة، في وقت تواجه فيه الموازنة العامة ضغوطًا مالية كبيرة.

وبحسب الأرقام الواردة في المادة، شارك في فعاليات المنتدى أكثر من ثمانية آلاف شخص و150 مسئولًا على مدار ستة أيام، إلى جانب سلسلة من الجلسات التحضيرية التي سبقت انعقاده.

وشملت التحضيرات ست جلسات نقاشية بالأكاديمية العسكرية، و30 جلسة داخل 28 جامعة بمشاركة نحو أربعة آلاف أكاديمي وباحث وخبير، فضلًا عن 13 جلسة تحضيرية بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار.

ورغم هذا الحجم من الفعاليات، لم تتضمن المعلومات المعروضة بيانًا تفصيليًا بشأن التكلفة الإجمالية لتنظيم المنتدى أو مصادر تمويله.

وانتقد البرلماني السابق هيثم الحريري انعقاد المنتدى، واصفًا إياه بأنه إهدار للوقت والأموال، معتبرًا أن الحكومة لا تستمع إلا إلى نفسها.

كما طالب الصحفي محمد عبد اللاه بالكشف عن التكلفة التقديرية للمنتدى وبنود الإنفاق عليه، مشككًا في جدوى تنظيم فعاليات دعائية مرتفعة التكلفة في ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة.

ولا تعني هذه الانتقادات بالضرورة أن الإنفاق على المؤتمرات غير مبرر في جميع الأحوال، لكنها تثير تساؤلًا مشروعًا بشأن ضرورة إعلان التكلفة والعائد المتوقع، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بفعاليات حكومية واسعة النطاق.

 

دقيقة واحدة للخبراء.. هل كان الحوار حقيقيًا؟

امتدت الانتقادات إلى أسلوب إدارة جلسات المنتدى، ومدى إتاحة الفرصة للمشاركين لطرح الأسئلة ومناقشة السياسات الحكومية.

وكشف الدكتور أمجد عمارة، العميد السابق لكلية التجارة بجامعة المنوفية، عن تجربته في إحدى جلسات مناقشة موارد النقد الأجنبي والديون.

وقال إن الوزراء حصلوا على نحو ساعتين ونصف الساعة للحديث، وفق أسئلة معدة مسبقًا، بينما لم يُتح للحضور سوى وقت محدود للغاية للمداخلات، قبل إنهاء الجلسة دون استقبال مزيد من الأسئلة.

واعتبر عمارة أن ما جرى أضفى طابعًا شكليًا على الحوار، بدلًا من فتح نقاش اقتصادي جاد يسمح للخبراء بمراجعة الأرقام الحكومية ومناقشة البدائل.

وتطرح هذه الشهادة تساؤلات بشأن الفارق بين تنظيم مؤتمر يحضره آلاف المشاركين، وبين توفير بيئة حقيقية للنقاش تسمح بتبادل الآراء وانتقاد السياسات.

فالحوار الاقتصادي لا تُقاس جديته بعدد الجلسات أو أسماء المشاركين، وإنما بمدى قدرة الخبراء على طرح الأسئلة الصعبة، وحصولهم على إجابات واضحة، وانعكاس توصياتهم على القرارات الحكومية.

 

أين الإصلاح السياسي والحريات العامة؟

أحد أبرز أوجه الانتقاد التي طالت المنتدى تمثل في غياب النقاش الجاد بشأن الإصلاح السياسي والحريات العامة، رغم ارتباط هذه الملفات بقدرة الدولة على تنفيذ أي برنامج اقتصادي طويل الأجل.

وتساءل السياسي مجدي حمدان موسى عن أسباب عدم تخصيص مناقشات حقيقية لمستقبل الحياة السياسية في مصر، وتوسيع المجال العام، ودور الأحزاب والمعارضة، وضمان المشاركة السياسية.

وأكد أن المؤتمرات لا ينبغي تقييمها بفخامة التنظيم أو أعداد الحضور، وإنما بما تحققه من نتائج ملموسة في حياة المواطنين، مطالبًا بالكشف عن تكاليف الفعاليات والإقامة والانتقالات، في ظل عجز الموازنة وتراكم الديون.

وتعكس هذه الانتقادات رؤية تعتبر أن الإصلاح الاقتصادي لا يمكن فصله عن الإصلاح المؤسسي والسياسي، وأن نجاح السياسات العامة يتطلب رقابة ومحاسبة ومشاركة مجتمعية فعلية.

وفي المقابل، ركزت المخرجات الحكومية على ملفات التنمية الاقتصادية والخدمات والاستثمار، دون أن تتضمن أي تفاصيل عن برنامج موازٍ للإصلاح السياسي أو توسيع المشاركة الديمقراطية.

 

برنامج جديد بـ 185 إجراء.. هل يختلف عن سابقاته؟

أعلنت الحكومة خلال المنتدى إطلاق البرنامج الوطني للتحول الاقتصادي للفترة من 2027 إلى 2030، باعتباره إطارًا للانتقال من الإجراءات الإصلاحية المؤقتة إلى مرحلة الإنتاج والتنمية المستدامة.

ويتضمن البرنامج 185 إجراء موزعة على خمسة محاور رئيسية، تشمل تحويل مصر إلى مركز إنتاجي يعتمد على التصنيع والزراعة والاتصالات، وتطوير التعليم والصحة والإسكان، ودعم الطبقة المتوسطة، وتحسين إدارة أصول الدولة، وتعزيز القدرة التنافسية للمنتجات المصرية في الأسواق العالمية.

كما أعلنت الحكومة اعتزامها فتح حوار مجتمعي بشأن البرنامج لاستقبال المقترحات والتعديلات، وتحويل المنتدى إلى حدث سنوي.

غير أن الإعلان عن برنامج جديد يثير تساؤلات بشأن علاقته بالخطط السابقة، وما إذا كانت الحكومة قد أجرت تقييمًا شاملًا لنتائج برامج الإصلاح التي نُفذت خلال السنوات الماضية.

كما يطرح تساؤلات حول مصادر تمويل الإجراءات الجديدة، والمؤشرات التي ستُستخدم لقياس النجاح، والجهات المسؤولة عن المتابعة، ومدى إتاحة تقارير دورية للرأي العام.

فمن دون هذه الآليات، يخشى منتقدون أن يتحول البرنامج الجديد إلى مجموعة أخرى من المستهدفات التي يصعب تقييمها أو مساءلة المسؤولين عنها.

 

دعوات إلى منتدى شعبي مستقل لإنقاذ الاقتصاد

في مواجهة الانتقادات الموجهة إلى المنتدى الحكومي، برزت دعوات من سياسيين وكتاب وخبراء لتنظيم منتدى شعبي مستقل، يضم متخصصين وأكاديميين وشخصيات عامة، بهدف إعداد رؤية بديلة للتعامل مع الأزمات الاقتصادية والسياسية.

وطالب الناشط عصام لالا بأن تنظم كل وزارة ورشة عمل تضم مئة من أبرز الخبراء والمتخصصين، لمراجعة الخطط الحكومية والمستهدفات المعلنة وتقييم مدى واقعيتها وتوافقها مع إمكانات الدولة واحتياجات المواطنين.

وأكد أن المطلوب ليس الاستعانة بخبراء يكتفون بتأييد الخطط بعد إعدادها، وإنما إشراك متخصصين قادرين على اختبار السياسات ومناقشتها وتقديم بدائل عملية.

وفي السياق نفسه، دعا الكاتب الصحفي والسياسي مجدي أحمد حسين النخب المصرية المستقلة إلى الاجتماع وإعداد ورقة تتضمن مقترحات لإنقاذ البلاد اقتصاديًا وسياسيًا.

وحذّر حسين من خطورة استمرار الأوضاع الراهنة، متسائلًا عن توقيت تحرك النخب لتقديم برنامج وطني بديل إذا لم تبادر إلى ذلك في المرحلة الحالية.

كما طرح الكاتب محمد طلبة رضوان فكرة تنظيم نسخة شعبية مستقلة من "منتدى مصر 2026"، لا تخضع لإدارة السلطة أو الخطاب الإعلامي الرسمي، وتتيح للمتخصصين والأكاديميين اختيار القضايا والأسئلة التي يرون ضرورة مناقشتها.

وتعكس هذه الدعوات رغبة لدى بعض الأصوات المعارضة في الانتقال من انتقاد السياسات الحكومية إلى محاولة بلورة تصورات اقتصادية وسياسية بديلة، وإن كانت إمكانية تحويل تلك المقترحات إلى مشروع عملي لا تزال غير محسومة.

 

بين وعود السلطة وواقع المواطنين.. من يحاسب الحكومة في 2030؟

تكشف مخرجات "منتدى مصر 2026" عن مفارقة أساسية في إدارة الملف الاقتصادي؛ فبينما تقدم الحكومة أرقامًا طموحة عن النمو والاستثمار والأجور والخدمات، يطالب منتقدوها بتفسير أسباب استمرار الأزمات المعيشية، وتحديد المسؤولية عن نتائج السياسات السابقة.

ولا تكمن المشكلة بالضرورة في وضع مستهدفات طويلة الأجل، إذ تحتاج الدول إلى خطط واضحة للمستقبل، وإنما في مدى واقعية تلك المستهدفات، وتوافر التمويل اللازم لتنفيذها، ووجود مؤسسات قادرة على مراقبة الأداء ومحاسبة المسئولين.

كما أن نجاح أي برنامج اقتصادي لا ينبغي أن يُقاس فقط بحجم الاستثمارات المعلنة أو أعداد المشروعات المنفذة، بل بمدى انعكاسه على دخول المواطنين، وتوافر فرص العمل، وتحسن جودة التعليم والصحة، وانخفاض معدلات الفقر والتضخم.

وبينما تراهن الحكومة على أن السنوات المقبلة ستشهد تحولًا اقتصاديًا يسمح بتحسين مستوى المعيشة، يرى منتقدون أن استمرار السياسات ذاتها دون مراجعة جادة قد يؤدي إلى تكرار النتائج السابقة، مهما اختلفت أسماء البرامج والمنتديات.

وهكذا ينتهي المنتدى تاركًا وراءه عشرات الوعود ومئات الإجراءات المقترحة، لكنه يفتح في الوقت نفسه سؤالًا أكثر أهمية من جميع الأرقام المعلنة:

إذا حل عام 2030 دون أن يشعر المصريون بالتحسن الذي تعدهم به الحكومة اليوم، فمن سيتحمل مسئولية الإخفاق، ومن يملك حق محاسبة السلطة على وعودها؟