شُيعت في مدينة إسطنبول التركية جنازة رمزية للمهندس معاذ شعيب،الذى قتل بالاهمال الطبى، داخل سجون المنقلب السفاح السيسي. وأُقيمت صلاة الغائب على روح الفقيد في مجمع لوكسيرا بمنطقة "محمود بي" في إسطنبول، بحضور جمع غفير من أبناء الجالية المصرية والمتعاطفين، وسط مطالبات واسعة بضرورة إنصاف ضحايا الإهمال الطبي داخل السجون.
وتشير التقارير الواردة من أسرته ومصادر حقوقية متطابقة إلى أن شعيب كان يعاني في محبسه من أمراض خطيرة ومزمنة ومتقدمة، أبرزها إصابته بورم في المخ استدعى جراحة عاجلة منذ أكثر من عامين، فضلًا عن معاناته من مرض السرطان. وعلى مدار سنوات الاعتقال، تدهورت حالته الصحية بشكل حاد ومتسارع، دون أن يتمكن من إجراء الجراحة العاجلة أو الحصول على الرعاية الطبية التي تستوجبها خطورة حالته الصحية داخل محبسه.
ورغم الاستغاثات المتكررة والشكاوى العديدة التي تقدمت بها أسرته للمطالبة بإخلاء سبيله لأسباب صحية وتوفير العلاج اللازم له خارج أسوار السجن، إلا أن الاستجابة الرسمية ظلت غائبة، وقوبلت، بحسب ما أفادت به المصادر الحقوقية، بالتعنت والتجاهل، وهو ما دفع مؤسسات حقوقية إلى توثيق الواقعة باعتبارها نموذجًا لما وصفته بـ"الإهمال الطبي الممنهج"، والذي أدى، بحسب هذه المنظمات، إلى تدهور حالته وصولًا إلى الوفاة.
المنظمات الحقوقية
واستشهد المهندس معاذ شعيب، البالغ من العمر 43 عامًا ومن أبناء مدينة نصر بالقاهرة، السبت 8 أغسطس 2026، داخل قسم الرعاية بمركز بدر الطبي. وجاءت وفاته بعد رحلة من الاحتجاز استمرت قرابة أربعة أعوام، حيث اعتُقل للمرة الأولى عام 2022.
وأثارت واقعة وفاة المهندس معاذ شعيب موجة من الغضب والاستنكار في أوساط منظمات حقوقية مصرية ودولية، التي أصدرت بيانات طالبت فيها بفتح تحقيقات عاجلة ومحاسبة المسؤولين. وفيما يلي أبرز ما صدر عن تلك المنظمات:
منظمة نجدة لحقوق الإنسان
أعربت منظمة نجدة لحقوق الإنسان عن بالغ إدانتها للواقعة، معتبرة إياها جريمة قتل جديدة تُرتكب، بحسب وصفها، بطريق الإهمال الطبي الممنهج، تحت وسم "#قتل_بالإهمال_الطبي".
وأشارت المنظمة إلى أن الضحية لفظ أنفاسه الأخيرة نتيجة تأخر حصوله على الرعاية الطبية اللازمة لتدارك إصابته بالسرطان. وطالبت بفتح تحقيق جدي ونزيه وشفاف في أسباب الوفيات المتكررة داخل السجون نتيجة ما وصفته بالإهمال المتعمد، فضلًا عن محاسبة المتسببين في ذلك، وتوفير الرعاية الطبية الفورية لجميع المعتقلين، مع إقرار الإفراج الصحي الفوري عن الحالات الحرجة التي تحتاج إلى رعاية مركزة لا تحتمل التأخير.
مركز الشهاب لحقوق الإنسان
أكد مركز الشهاب لحقوق الإنسان أن وفاة المهندس معاذ شعيب داخل محبسه بسجن بدر تطرح علامات استفهام كبرى حول مدى احترام السلامة الجسدية للمرضى، وتعد، بحسب المركز، انتهاكًا للحق في الحياة والحق في السلامة الجسدية المكفولين بموجب "دستور 2014" والعهود والمواثيق الدولية، ولا سيما المادتين 6 و9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
كما نوه المركز إلى أن الواقعة تخالف بصورة واضحة "القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء" المعروفة باسم "قواعد نيلسون مانديلا"، والتي تُحمّل السلطات المسؤولية عن صحة وسلامة النزلاء.
وطالب مركز الشهاب بإتاحة السجلات الطبية الكاملة للمتوفى، والبدء الفوري في تدابير الإفراج الصحي عن المرضى ذوي الأمراض المزمنة، والسماح للهيئات الحقوقية المستقلة بزيارة مقار الاحتجاز لتقييم الأوضاع الصحية.
رابطة أسر المعتقلين – مصر
ومن جانبها، نعت "رابطة أسر المعتقلين – مصر" المهندس معاذ شعيب ببالغ الأسى، مؤكدة في بيانها أن وفاة إنسان رهن الاحتجاز ليست خبرًا عابرًا يُطوى بمرور الوقت، وأن الدولة التي تحرم الإنسان من حريته تتحمل، بحسب الرابطة، المسؤولية القانونية والأخلاقية عن حمايته ورعايته صحيًا.
وشددت الرابطة على أن السجن لا يُسقط الحق في العلاج، وأن الاحتجاز لا يعني بأي حال من الأحوال سقوط الحق في الحياة.
ووجهت الرابطة حزمة من المطالب، دعت فيها إلى إجراء تحقيق مستقل وشفاف، وكشف الملف الطبي الكامل، ومحاسبة المسؤولين عن أي تقصير أو إهمال أدى إلى تفاقم الحالة الصحية للفقيد وصولًا إلى الوفاة، مؤكدة أن معاذ لم يكن مجرد رقم في قوائم الوفيات، بل إنسانًا خلفه عائلة وأحباب حُرموا من بقائه بينهم.
منظمة عدالة لحقوق الإنسان
وأصدرت منظمة عدالة لحقوق الإنسان بيانًا شديد اللهجة، أكدت فيه أن حرمان أي محتجز من العلاج الضروري أو تأخيره على نحو يعرض حياته للخطر يمثل إخلالًا جسيمًا بواجب الدولة في حماية الأشخاص المحرومين من حريتهم، وأن الوفاة في مثل هذه الظروف تستوجب تحقيقًا فعالًا يحدد المسؤوليات ويضمن المساءلة.
وتقدمت المنظمة بعدة مطالب رئيسية، شملت:
-
فتح تحقيق مستقل وشفاف في ملابسات وفاة معاذ شعيب، والتحقق من أسباب عدم إجراء العملية الجراحية التي كانت تستدعيها حالته الصحية الملحة.
-
الكشف الفوري عن ملفه الطبي وكافة الإجراءات التي اتُخذت بشأنه طوال فترة احتجازه.
-
محاسبة كل من يثبت التحقيق مسؤوليته عن تأخير أو منع تقديم الرعاية الطبية اللازمة له.
-
إجراء مراجعة عاجلة وشاملة لأوضاع جميع المحتجزين المصابين بأمراض خطيرة، وضمان حصولهم على العلاج والتدخلات الجراحية اللازمة دون إبطاء.
وتسلط الحادثة الضوء مجددًا على أوضاع الاحتجاز في السجون ومراكز الإصلاح والتأهيل في مصر، في ظل استمرار التنديدات الحقوقية بشأن حرمان المعتقلين السياسيين من حقوقهم الإنسانية والطبية الأساسية.
ولم تكن صلاة الغائب التي أُقيمت في إسطنبول، بحسب المشاركين والداعين إليها، تكريمًا رمزيًا لروح المهندس معاذ شعيب فحسب، وإنما حملت أيضًا رسالة احتجاج على ما تصفه منظمات حقوقية بسياسات الإهمال الطبي داخل السجون، وسط مطالبات بإنقاذ المرضى والحالات الحرجة من المحتجزين قبل فوات الأوان.