مشروعات الإسكان الاجتماعي يُفترض أن تكون المفتاح الذي انتظرته الأسرة سنوات طويلة لحظة نهاية القلق وبداية الاستقرار، لكن بعض المستفيدين من هذه المشروعات الحكومية وجدوا خلف الأبواب الجديدة جدرانًا تحمل شروخًا وتصدعات، ظهرت أحيانًا قبل السكن وأحيانًا بعده بفترة قصيرة.
من نقادة في قنا إلى بني سويف الجديدة وحدائق أكتوبر وحدائق العاصمة، تتكرر الوقائع بصور مختلفة: عمارات لم تُسلّم بسبب التصدعات، ووحدات ظهرت بها شروخ بعد الإقامة، وعيوب عادت إلى الظهور رغم أعمال الترميم والحقن.
وبين روايات السكان وتفسيرات الجهات المنفذة، يبرز سؤال يتجاوز حدود الشكوى الفردية: هل نحن أمام عيوب سطحية قابلة للإصلاح، أم مشكلات أعمق تستدعي فحصًا هندسيًا مستقلًا يحدد أسبابها ومدى تأثيرها على سلامة المباني؟
"القرنفل".. شروخ تعود بعد الترميم
في حدائق أكتوبر، يقف مشروع «القرنفل» للإسكان الاجتماعي، المعروف سابقًا باسم «262 عمارة»، باعتباره أحد المشروعات الكبيرة، إذ يضم 262 عمارة بإجمالي 6288 وحدة سكنية، بتكلفة تقارب 866 مليون جنيه.
داخل إحدى هذه العمارات، بدأت معاناة محمود رمضان بعد نحو عام من تسلمه وحدته. ظهرت شروخ محدودة في البداية، قبل أن تمتد إلى الأرضيات والسيراميك وأجزاء أخرى من التشطيبات.
وبالنسبة إلى رمضان، لم يكن الشرخ مجرد عيب في الحائط، وإنما علامة، بحسب اعتقاده، على وجود «هبوط في التربة» أسفل المبنى. ومع اتساع التشققات، تحولت المشكلة إلى رحلة بين الشكاوى وجهاز المدينة ومجلس الوزراء بحثًا عن حل.
وفي يونيو الماضي، وصلت أعمال الترميم إلى واجهات العمارات بواسطة شركة «الرواد العرب»، إلا أن المعالجة، وفق رواية رمضان، اقتصرت على الشروخ الظاهرة دون التعامل مع السبب الذي يعتقد أنه يقف وراءها، لتعود التشققات مرة أخرى.
حتى علامات الجبس المستخدمة لمتابعة حركة الشروخ أصبحت جزءًا من رواية الأزمة؛ فبحسب رمضان، وُضعت العلامات في 30 يونيو، لكنها حملت تاريخًا يعود إلى فبراير، وهو ما أثار لديه تساؤلات بشأن طريقة توثيق ومراقبة حالة المبنى.
أما الوحدات الأكثر تضررًا، فقد طلبت الشركة مفاتيحها لتنفيذ أعمال الإصلاح، غير أن مرور نحو شهر دون بدء أعمال فعلية أبقى أصحابها في دائرة الانتظار.
ولم تكن شهادة رمضان الوحيدة داخل المشروع، فأماني محمد، من سكان «262 عمارة» التابعة لشركة أحمد عبد الحفيظ، تصف مشهدًا أكثر اتساعًا؛ شروخ وتصدعات في الأسقف والجدران والأعمدة، داخل المبنى وخارجه، وسط وجود أسر وأطفال.
وبالنسبة إليها، لم يعد السؤال متعلقًا فقط بموعد انتهاء أعمال الترميم، وإنما بموعد تدخل الجهات المعنية قبل أن تتفاقم العيوب، فيما تبقى الأسر أمام مخاوف بشأن سلامة المكان الذي يفترض أن يكون مأمنها.
وتزداد الصورة تعقيدًا مع عودة الشروخ إلى الظهور رغم خضوع المبنى لأعمال حقن بهدف تدعيم الأساسات. فبعد الإعلان عن انتهاء أعمال المعالجة، اتسعت التشققات مجددًا، ما أثار تساؤلات لدى السكان بشأن مدى فاعلية الترميم، وما إذا كان قد عالج أسباب المشكلة أم اكتفى بمعالجة آثارها الظاهرة.
في المقابل، قدمت الشركة المنفذة إلى جهاز تنمية مدينة حدائق أكتوبر تفسيرًا مختلفًا لبعض العيوب، إذ ربطت استمرار ظهورها بقرب أحواض الزراعة وأعمال الري من الأساسات، محذرة من وصول المياه إلى التربة أسفل المباني.
وتضمنت التوصيات وقف الري، وإزالة الزراعات المحيطة، وإحكام شبكات المياه والصرف، وإعادة تصميم ميول الموقع بما يوجه المياه بعيدًا عن العمارات. واستجاب جهاز المدينة وبدأ إزالة الأشجار والمساحات الخضراء، بينما ظل سكان المشروع يتمسكون بتفسير آخر يرتبط باحتمال هبوط التربة.
"607 عمارة".. تشققات قبل السكن
وفي المدينة نفسها، ظهرت أزمة أخرى داخل مشروع "607 عمارة" بحي الكوثر في منطقة الـ100 فدان. وكان سبتمبر 2025 موعدًا لتحرير محاضر المعاينة والاستلام، لكن بعض المواطنين فوجئوا بوجود شروخ وتصدعات في العمارات أرقام 56 و61 و196 و315 و533، قبل أن تبدأ رحلة السكن.
داخل بعض الوحدات ظهرت التشققات، وسقطت أجزاء من المحارة في أماكن أخرى، فتحولت لحظة استلام المفتاح إلى بداية سلسلة جديدة من المطالبات بمعاينة هندسية تكشف حقيقة المباني. وفي العمارة رقم 56، وثّق السكان الشروخ بالصور، بينما بقيت المخاوف قائمة من الإقامة داخل وحدات لم تُحسم حالتها.
خالد بدر، أحد السكان، ينتظر منذ تقديم شكوى إلى جهاز تنمية مدينة حدائق أكتوبر إجراءً يحدد مصير العمارة، مؤكدًا، بحسب روايته، أن الشروخ ظهرت في مختلف الشقق.
ومع انتشار العيوب، أصبح التردد في السكن نتيجة طبيعية لمخاوف الأسر، خصوصًا مع غياب إجابة فنية واضحة حول أسباب التشققات ومدى تأثيرها على سلامة المبنى.
وفي الخلفية، تتسع دائرة التساؤلات لدى السكان. ويرى حكيم غطاس أن طريقة التعامل مع الشكاوى قد تدفع المواطن إلى استلام وحدته رغم وجود ملاحظات عليها، بينما تظل المسؤولية موزعة بين جهاز المدينة والمقاول المنفذ.
أما صلاح عبدالنبي، فيعيد السؤال إلى المهندسين الذين أشرفوا على المشروع، مطالبًا بالتأكد من سلامة المباني الحكومية الجديدة قبل أن يتحول الخلل إلى مشكلة أكبر.
نقادة.. عمارات خلف الأبواب المغلقة
في نقادة بمحافظة قنا، أخذت الأزمة مسارًا أطول، فأربع عمارات تضم نحو 96 وحدة سكنية ظلت دون تسليم لسنوات بسبب التصدعات والتشققات، بينما جرى تسليم باقي عمارات المشروع خلال عامي 2020 و2021.
جابر محمد، أحد الأهالي، يعيش مع السكان على وقع انتظار طويل لحل أزمة العمارات الأربع التي تعاني، بحسب شهادته، من «تصدعات وتشققات»، وسط استغاثات وشكاوى متكررة.
أما فوزي محمد، أحد المتضررين، فيرى أن نقل الأسر إلى مدينة قنا الجديدة قد يضعها أمام عبء جديد، إذ تتراوح المسافة بينها وبين أماكن العمل لدى بعض الأسر بين 30 و40 كيلومترًا، بحسب طبيعة عمل كل شخص.
وفي العمارة رقم 9، تجاوز الخوف مرحلة الشكوى إلى الإخلاء؛ إذ دفعت التشققات والتصدعات الأهالي إلى إخراج السكان منها خشية على سلامتهم، خصوصًا مع وجود أطفال وسيدات.
وهكذا تحولت الوحدة التي انتظرها أصحابها باعتبارها حلًا لأزمة السكن إلى عبء مفتوح النهاية، لا يعرف السكان متى ينتهي ولا أين سيكون البديل.
بني سويف الجديدة.. الترميم لم يغلق الملف
في بني سويف الجديدة، انتقلت القصة من لحظة الاستلام إلى الحياة اليومية، وعمارتان تابعتان للإسكان الاجتماعي تضمان 44 أسرة، إلى جانب حضانة و4 محال تجارية، بدأت تظهر بهما التصدعات منذ عام 2019. مرت السنوات، واتسعت الشروخ، ووصلت أعمال الترميم، لكن آثار المشكلة ظلت حاضرة في روايات السكان.
جمال يوسف، أحد القاطنين، يضع التقرير الهندسي في مقدمة الحل؛ فالمطلوب، من وجهة نظره، ليس مجرد معالجة شكلية، وإنما تحديد طبيعة العيوب ومدى سلامة المبنيين. ومع تصاعد الشكاوى، انتقل محافظ بني سويف إلى موقع العمارتين لمعاينة التصدعات والاستماع إلى الأهالي، ووجّه بإعداد تقارير فنية لحسم الموقف.
حدائق العاصمة.. المياه تدخل على خط الأزمة
في حدائق العاصمة، ظهرت واقعة أخرى داخل عمارات «سكن لكل المصريين»، لتضيف عنصرًا جديدًا إلى القصة: مياه الري.
في العمارة رقم 246 بحي الزهور، التابعة لشركة «التوحيد»، نشر حسن سليم صورًا للشروخ عبر «فيسبوك»، متحدثًا عن تصدعات قوية وشكاوى لم يتبعها، بحسب روايته، تحرك يحسم مصير المبنى. المشكلة، في روايته، لا تقف عند الجدران؛ فأعمال ري المساحات الخضراء المحيطة بالعمارة أصبحت مصدر قلق، خصوصًا مع زيادة المياه حول المبنى. ومع انخفاض عدد السكان حاليًا، يطرح السؤال نفسه: ماذا سيحدث إذا ارتفعت نسبة الإشغال؟
وفي عمارة 124 بموقع 5، واجه محمد سيد عطية المشكلة داخل شقته، حيث ظهرت تشققات في الحوائط والسقف، دفعته إلى المطالبة بتشكيل لجنة هندسية تحدد السبب، وإجراء إصلاح كامل على نفقة الجهة المسؤولة، ومحاسبة أي تقصير في التنفيذ أو الاستلام.
وسط هذه المخاوف، جاء الرد الرسمي من المهندس أحمد العربي، رئيس جهاز مدينة حدائق العاصمة، بأن الجهاز يتابع أعمال الفحص الفني والمعاينات الميدانية بعد رصد شروخ في واجهات عدد من العمارات، بهدف التأكد من الحالة الإنشائية وتحديد الأسباب واتخاذ الإجراءات وفق المعايير الهندسية المعتمدة.
التشخيص قبل الترميم
بعيدًا عن تعدد الروايات، يعيد الخبراء الأزمة إلى نقطة واحدة: الشرخ ليس المشكلة في حد ذاته، وإنما علامة تقود إلى السبب.
المهندس محمد نواف جمعة يضع التشخيص في مقدمة أي عملية إصلاح؛ فتحديد سبب الشرخ وتصنيفه فنيًا يجب أن يسبق اختيار مادة المعالجة أو أسلوب الترميم. أما طلاء الجدران أو سد الشروخ دون معرفة مصدرها، فقد يخفي العيب مؤقتًا دون أن يقدم ضمانًا على استقرار المبنى.
وتنتقل المسألة من التشخيص إلى الاختبار. الدكتور محمد مسعود السعداوي، رئيس المركز القومي لبحوث الإسكان والبناء، يربط الحكم على سلامة المباني بالفحوص والاشتراطات الهندسية، مع مراجعة الرسومات والتقارير الجيوتقنية واختبارات الخرسانة وسجلات الإشراف والاستلام، وصولًا إلى تحديد طبيعة العيب: هل هو سطحي، أم مرتبط بهبوط التربة، أم ناتج عن حركة إنشائية؟
أما الدكتور المهندس حسين جمعة، مؤسس جمعية الحفاظ على الثروة العقارية، فيوسّع زاوية النظر إلى ما بعد لحظة التسليم، معتبرًا أن سلامة العقار ترتبط بالمتابعة والصيانة الدورية، وأن الحفاظ على المبنى مسؤولية مستمرة لا تبدأ فقط عند ظهور الشروخ ولا تنتهي بمجرد تنفيذ أعمال الترميم.
وبذلك، لا يصبح السؤال الهندسي: «هل يوجد شرخ؟»، وإنما: لماذا ظهر؟ وهل يتسع؟ وهل يمس عنصرًا إنشائيًا؟ وهل نجحت المعالجة في إزالة سببه؟
ملايين الوحدات.. والسؤال أين الجودة
تأتي هذه الوقائع في وقت تتحدث فيه وزارة الإسكان عن توسع ضخم في توفير الوحدات السكنية لمختلف شرائح المجتمع.
وبحسب المهندسة راندة المنشاوي، وزيرة الإسكان، بلغ إجمالي الوحدات التي نفذتها أو يجري تنفيذها أو طُرح تنفيذها من خلال هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة والهيئة العامة لتعاونيات البناء والإسكان، خلال الفترة من 2014 حتى يونيو 2026، نحو مليون و150 ألفًا و322 وحدة سكنية.
وفي قلب هذه الأرقام يأتي مشروع «سكن لكل المصريين» لمحدودي الدخل، بإجمالي 833 ألفًا و926 وحدة، منها 642 ألفًا و610 وحدات مكتملة، و188 ألفًا و532 وحدة تحت التنفيذ، و2784 وحدة مطروحة للتنفيذ.
كما رصدت نشرة الإسكان في مصر لعام 2024/2025، الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، تنفيذ 212 ألف وحدة سكنية خلال العام، باستثمارات بلغت 245.3 مليار جنيه. لكن ضخامة الأرقام لا تلغي السؤال الذي تفرضه شهادات السكان: ماذا يحدث بعد أن يصبح البناء جاهزًا للتسليم؟
فبناء الوحدة قد يكون بداية الإنجاز، لكن اختبار الإسكان الحقيقي يبدأ بعد تسليم المفتاح؛ عندما تعيش الأسرة داخلها، وتواجه العمارة سنوات الاستخدام والمياه والطقس، ويظهر ما إذا كانت الشروخ مجرد عيب يمكن إصلاحه، أم إنذارًا بمشكلة لم تُكشف جذورها بعد.
وبين عمارات لم تُسلّم، وأخرى ظهرت بها التشققات بعد السكن، وثالثة عادت إليها الشروخ رغم الترميم، لا تبدو القضية مجرد شكوى من «عيب تشطيب»، وإنما سؤال عن جودة التنفيذ، ودقة الاستلام، وفاعلية الرقابة، ومسؤولية الجهات المعنية عن التأكد من سلامة المبنى قبل أن يصبح المفتاح في يد الأسرة.
فبالنسبة إلى المواطن الذي انتظر سنوات للحصول على مسكن، لا تكفيه معالجة الشرخ إذا ظل السبب مجهولًا؛ لأن ما يبحث عنه في النهاية ليس جدارًا بلا شقوق، وإنما بيتًا آمنًا يستطيع أن يطمئن خلف بابه.