بعد أن تجاوز سعر الدولار 52 جنيهاً.. ضغوط ميزان المدفوعات تعيد أزمة العملة إلى الواجهة

- ‎فيتقارير

تجاوز سعر الدولار مجددًا حاجز الـ 52 جنيهاً في السوق المصرية خلال الأيام الأخيرة، وسط توقعات باستمرار الضغوط على العملة المحلية خلال الفترة المقبلة، رغم حديث الحكومة عن تحسن عدد من مصادر النقد الأجنبي.

ويشير محللون إلى أن حركة سعر الصرف لم تعد مرتبطة فقط بحجم التدفقات الدولارية الداخلة إلى البلاد، وإنما أيضاً بتوقيت دخولها في مقابل توقيت خروج العملة الصعبة، وحجم الطلب عليها لتمويل الواردات والطاقة وسداد الالتزامات الخارجية وخدمة الدين.

وسجل سعر الدولار في البنوك، الثلاثاء، نحو 52.36 جنيه للشراء و52.50 جنيه للبيع، بينما بلغ متوسط سعره لدى البنك المركزي 52.26 جنيه للشراء و52.40 جنيه للبيع.

وتزامن ذلك مع وصول سعر الدولار الجمركي المطبق خلال أكتوبر الحالي إلى 52.50 جنيه، فيما بلغ في سوق الصاغة نحو 52.61 جنيه.

وتأتي هذه المستويات في ظل توقعات أكثر تحفظاً بشأن مسار الجنيه خلال عام 2027، إذ تضع شركة أورنج مصر الدولار في نطاق يتراوح بين 53 و54 جنيهاً، بينما تقدر مؤسسات أخرى نطاقاً بين 55 و60 جنيهاً للدولار.

كما يرى الرئيس التنفيذي لمجموعة إي إف جي القابضة، كريم عوض، أن الدولار قد يتحرك بين 52 و54 جنيهاً بنهاية 2027 إذا استمرت الحرب، مقابل نطاق بين 49 و50 جنيهاً في حال انتهائها.

 

الواردات والطاقة وخدمة الدين

وتحتاج الشركات المصرية إلى الدولار لتمويل الواردات ومستلزمات الإنتاج وسداد الالتزامات الخارجية، بينما تمثل فاتورة الطاقة مصدراً إضافياً للضغط على موارد النقد الأجنبي، بالتزامن مع احتياجات الدولة والقطاع الخاص لسداد أقساط وفوائد الديون الخارجية.

ويقول رئيس قطاع البحوث بشركة مباشر كابيتال، أحمد عبد النبي، إن الارتفاع النسبي في سعر الدولار خلال الأيام الأخيرة يرتبط بضغوط مستمرة على ميزان المدفوعات.

ويعتبر عبد النبي أن السبب الأساسي والمستدام للضغوط يتمثل في طبيعة الاقتصاد المصري باعتباره اقتصاداً يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، موضحاً أن ارتفاع أسعار المواد البترولية التي تستورد مصر جانباً كبيراً منها ينعكس على الاقتصاد وعلى احتياجاته من العملة الأجنبية.

كما تؤدي التوترات الجيوسياسية واضطراب سلاسل الإمداد إلى زيادة تكاليف الشحن لمختلف السلع المستوردة، بما يرفع فاتورة الاستيراد ويضغط بدوره على ميزان المدفوعات.

ويشير عبد النبي إلى أن خروج بعض المستثمرين من السوق خلال هذه الفترة يمثل عاملاً إضافياً للضغط على الجنيه، موضحاً أن تداخل هذه العوامل يدفع في اتجاه ارتفاع سعر صرف الدولار.

ويرى أن التوترات الجيوسياسية تزيد حدة المشكلة، لكنها ليست السبب الأساسي والمستدام، الذي يربطه بضغوط ميزان المدفوعات وحجم الاستيراد.

 

توقعات الدولار.. التحوط لا التنبؤ

وحول سعر الدولار خلال العام المقبل، يتحفظ عبد النبي عن وضع رقم محدد لسعر الصرف، موضحاً أن الأرقام التي تضعها الشركات والمؤسسات في موازناتها التقديرية تأتي في جانب منها كإجراء تحوطي لتكوين الاحتياطات اللازمة لمواجهة تقلبات سعر العملة.

وتعكس الفروق بين تقديرات الشركات والمؤسسات حجم حالة عدم اليقين بشأن مسار الجنيه خلال الفترة المقبلة، في ظل ارتباط سعر الصرف بعوامل داخلية وخارجية يصعب فصل تأثيراتها عن بعضها.

 

لماذا لا تكفي المبادلات بالعملات المحلية؟

وفيما يتعلق بالمبادلات المالية التي تجريها مصر مع الإمارات والصين، وما إذا كان من شأنها تخفيف الطلب على الدولار، يرى عبد النبي أنها لا تعالج جوهر المشكلة, موضحا أن المبادلات التي تتم بالجنيه مقابل الدرهم أو اليوان يمكن أن تخفف الحاجة إلى الدولار في بعض المعاملات الثنائية، لكنها لا تلغي الاحتياجات الدولارية الأساسية للاقتصاد.

ويضرب مثالاً على ذلك بإيرادات قناة السويس، قائلاً إن الحصول عليها بالجنيه لا يحل مشكلة الالتزامات التي تحتاج الدولة إلى سدادها بالدولار.

ويشير إلى أن الدين الخارجي لمصر يتجاوز 165 مليار دولار، وهو ما يعني استمرار الحاجة إلى العملة الصعبة ليس فقط لسداد الديون، ولكن أيضاً لتمويل الواردات.

وتشمل أهم السلع التي تحتاج مصر إلى استيرادها القمح والنفط والغاز، ما يجعل الطلب على العملات الأجنبية مرتبطاً بصورة مباشرة بالاحتياجات الأساسية للاقتصاد.

ومن ثم، يرى عبد النبي أن ميزان المدفوعات يظل العامل الأهم في تفسير الضغوط التي يتعرض لها سوق الصرف، وليس مجرد حجم التدفقات الدولارية الداخلة إلى البلاد.

 

تدفقات النقد الأجنبي.. التوقيت يصنع الفارق

ولا تعني زيادة موارد النقد الأجنبي بالضرورة اختفاء الضغوط عن سوق الصرف، إذ يتوقف جانب مهم من حركة الدولار على توقيت دخول الأموال وخروجها.

فالسياحة والتحويلات والاستثمار الأجنبي لا تدخل السوق بالضرورة في الوقت نفسه الذي تتزايد فيه طلبات الاستيراد أو عندما يحين موعد سداد الالتزامات الخارجية، وهو ما قد يؤدي إلى ظهور ضغوط مؤقتة على الدولار حتى في فترات تكون فيها الصورة العامة لموارد النقد الأجنبي أفضل من السابق.

وتوضح الخبيرة الاقتصادية نادية المرشدي أن استحقاقات الديون الخارجية تمثل طلباً دورياً على الدولار، يؤثر بصورة مباشرة في حركة الجنيه.

وتشير إلى أنه كلما اقتربت مواعيد سداد الديون، زادت احتياجات القطاع الحكومي والجهاز المصرفي والشركات من العملة الأجنبية، وهو ما قد يرفع الطلب على الدولار حتى في الفترات التي تشهد تدفقات قوية من الخارج.

 

الأموال الساخنة.. دعم مؤقت ومصدر للتقلب

وتلفت المرشدي إلى أن تدفقات المستثمرين الأجانب إلى أدوات الدين المحلية تؤدي دوراً مزدوجاً في سوق الصرف.

فعند دخول هذه الاستثمارات توفر العملة الأجنبية للدولة والجهاز المصرفي، وتدعم قدرة السوق على تمويل الاحتياجات الدولارية، لكنها في الوقت نفسه تظل أكثر حساسية من الاستثمارات الأجنبية المباشرة تجاه تغيرات أسعار الفائدة العالمية والتوترات الجيوسياسية.

ولهذا، ترى أنه لا يمكن التعامل مع كل تدفق أجنبي باعتباره مورداً مستقراً للجنيه، فالأموال الباحثة عن العائد يمكن أن تدخل السوق سريعاً عندما تتحسن ظروفها، لكنها تستطيع أيضاً الخروج بالسرعة نفسها عندما تتغير حسابات المستثمرين، وهو ما يضيف مصدراً جديداً للتقلب في سعر الصرف.

وتشير هذه المعطيات إلى أن قراءة سعر الدولار بصورة منفردة قد لا تعكس كامل وضع سوق النقد الأجنبي، إذ تتداخل حركة العملة مع حجم الواردات، وأسعار الطاقة، واستحقاقات الدين، وحركة الاستثمارات الأجنبية، والتحويلات والسياحة، فضلاً عن الظروف الجيوسياسية العالمية.

وبينما تراهن الحكومة على تحسن مصادر النقد الأجنبي، تظل الضغوط على الجنيه مرتبطة بقدرة الاقتصاد على تحقيق تدفقات دولارية مستقرة ومستدامة تتجاوز الاحتياجات المتزايدة للعملة الصعبة، لا سيما في ظل فاتورة الاستيراد وخدمة الدين والاحتياجات الدولارية للقطاعين العام والخاص.