اليوم الأربعاء 4 فبراير 2026، ينعقد اللقاء المرتقب بين الرئيس التركي والمنقلب السيسى في القاهرة، في ظرف سياسي وإقليمي شديد التعقيد، خاصة بعد ما كشفته صحيفة *نيويورك تايمز* مؤخرًا عن وجود قاعدة جوية مصرية سرية في منطقة شرق العوينات بالصحراء الغربية.
ووردت قاعدة العوينات الجوية في التقرير باعتبارها موقعًا لمشروع زراعي ضخم، لكنه في الحقيقة يخفي مدرجًا جويًا ومنشآت عسكرية توسعت منذ عام 2018.
وأشار التحقيق إلى أن هذه القاعدة تُستخدم لإطلاق طائرات مسيّرة تركية حديثة من طراز "أقنجي"، التي نفذت ضربات داخل السودان ضد قوات الدعم السريع منذ منتصف عام 2025. كما أوضح أن الصور الفضائية وسجلات الطيران أظهرت هبوط طائرات شحن تركية في القاعدة وتركيب أنظمة اتصالات بالأقمار الصناعية، ما جعلها نقطة ارتكاز عسكرية متقدمة.
تحقيق استقصائي
في تحقيق استقصائي موسّع نشرته صحيفة *The New York Times* في أكتوبر 2025، أعدّه الصحفيون ديكلان وولش ومالاكي براون وإريك شميت ونيك كومينغ بروس، تم الكشف عن وجود قاعدة جوية مصرية غير معلنة في صحراء مصر الغربية، يُعتقد أنها تُستخدم لإطلاق طائرات مسيّرة تنفّذ ضربات داخل السودان. وأشار التحقيق إلى أن القاعدة تقع في منطقة شرق العوينات وسط مشروع زراعي ضخم لزراعة القمح، وأن صور الأقمار الصناعية وسجلات الطيران ومقاطع الفيديو، إضافة إلى مقابلات مع مسؤولين أمريكيين وأوروبيين وعرب، تؤكد أن طائرات مسيّرة عسكرية متقدمة متمركزة في الموقع نفذت ضربات منذ ما لا يقل عن ستة أشهر.
وأوضحت الصحيفة أن هذه الضربات استهدفت قوات الدعم السريع التي تخوض معارك ضد الجيش السوداني منذ أكثر من ألف يوم. ولم ترد وزارة الخارجية المصرية ولا مركز الصحافة الأجنبية ولا الجيش السوداني على أسئلة الصحيفة بشأن هذه المعلومات. واعتبر التحقيق أن دخول مصر على خط الحرب عبر الطائرات المسيّرة يمثل تحولًا من دورها الدبلوماسي السابق إلى انخراط عسكري مباشر، مضيفًا طبقة جديدة إلى حرب إقليمية معقدة تتداخل فيها قوى أجنبية من الجانبين.
وأشار التحقيق إلى أن الإمارات العربية المتحدة تزوّد قوات الدعم السريع بالأسلحة، بينما تدعم السعودية وقطر الجيش السوداني، الذي حصل أيضًا على أسلحة من تركيا وإيران وروسيا. ومع انضمام مصر، بدا أن الحرب الأهلية السودانية تتحول إلى ساحة صراع إقليمي واسع، حيث أصبحت التكنولوجيا العسكرية، خصوصًا الطائرات المسيّرة، أحد أعمدة هذه الحرب التي شرّدت نحو 12 مليون شخص وقتلت آلاف المدنيين والمقاتلين.
المسيّرات الصينية
أوضحت الصحيفة أن قوات الدعم السريع تستخدم مسيّرات صينية بعيدة المدى من طراز CH-95 توفرها الإمارات، بينما يعتمد الجيش السوداني على مسيّرات تركية متقدمة من شركة Baykar، بينها طراز "أقنجي" الذي يتم تشغيله عبر الأقمار الصناعية. ونقلت عن مسؤولين أن هذه المسيّرات التركية يتم إخفاؤها في مصر للحفاظ على سلامتها، لكن لم يتضح ما إذا كان المصريون أم السودانيون هم من يشغّلونها.
وربط التحقيق انخراط مصر بسقوط مدينة الفاشر في دارفور أواخر أكتوبر 2025 بعد حصار دام 18 شهرًا، وهو ما دفع قوات الدعم السريع للتقدم نحو كردفان مهددة بالسيطرة على البلاد. وأشارت الصحيفة إلى أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عبّر عن انزعاجه من هذا التطور، محذرًا في ديسمبر من تجاوز "خط أحمر" في السودان، الذي تدفق منه بالفعل 1.5 مليون لاجئ إلى مصر. وفي تلك الفترة بدأت مسيّرات "أقنجي" التركية تنفيذ ضربات عميقة داخل السودان، بينها قصف قافلة شاحنات عبرت من ليبيا في 5 نوفمبر.
وأشارت الصحيفة إلى أن مشروع شرق العوينات الزراعي كان غطاءً لتطوير القاعدة الجوية منذ عام 2018، حيث توسع المدرج وأُنشئت حظائر للطائرات. وفي يوليو 2025 هبطت طائرات شحن تركية وتم تركيب أنظمة اتصالات بالأقمار الصناعية، لتظهر بعدها المسيّرات التركية الحديثة في القاعدة. وكان الجيش السوداني قد وقع عقدًا بقيمة 120 مليون دولار لشراء مسيّرات TB2 و600 رأس حربي، لكن وصول "أقنجي" وفر قدرات أكبر بمدى يتجاوز 4,500 ميل وحمولة قنابل أكبر بثلاثة أضعاف.
أقنجي التركية
بحلول ديسمبر 2025، كانت مسيّرتان "أقنجي" على الأقل تنفذان ضربات داخل السودان، بينها ضربة قتلت 20 شخصًا على الأقل وأخرى استهدفت قوافل قرب تشاد. وواصلت طائرات تركية عسكرية وشحن الهبوط في القاعدة، فيما شغّلت شركة روسية خاضعة للعقوبات رحلات إليها. ورغم هذا التصعيد التكنولوجي، لا يبدو أن أي طرف يقترب من الحسم، إذ اتهمت الولايات المتحدة الجيش السوداني باستخدام أسلحة كيميائية، بينما اتهمت قوات الدعم السريع بارتكاب انتهاكات جسيمة، وفرضت عقوبات على الجانبين.
وخلص التحقيق إلى أن سباق المسيّرات جلب مزيدًا من الفوضى والدمار، حيث أصابت الضربات مساجد ومستشفيات ومحطات كهرباء، وقطعت الكهرباء والمياه عن ملايين السكان. كما أقرّت قوات الدعم السريع ضمنيًا بأن مصر انحازت لخصمها، محذرة من الرد، إذ قال قائدها محمد حمدان دقلو إن "أي طائرة مسيّرة تقلع من أي مطار تصبح هدفًا مشروعًا لنا".
وأبرز التقرير أن الحرب الدائرة في السودان لم تعد مجرد صراع داخلي، بل تحولت إلى ساحة إقليمية ودولية تتداخل فيها مصالح القوى الكبرى، وأن مصر، عبر قاعدتها الجوية السرية في شرق العوينات، أصبحت جزءًا من هذه المعادلة المعقدة التي تهدد بمزيد من التصعيد والدمار في المنطقة.
