توقع مراقبون ألا تخرج جولة الإعادة الجمعة 6 مارس في انتخابات نقابة المهندسين عن نسبة الحضور الهزيلة للجمعية العمومية للمهندسين، (والتي قدرتها حسابات ب 4 من المائة في المائة) بعدما ألجمت حكومة السيسي المهندسين بشكل مطلق في التعبير عن إرادتهم وضياع فرصة استعادة دور النقابة أو الدفاع عن كرامة المهنة.
واستعاضت حكومة السيسي عن الإشراف القضائي الشامل بمباشرة النيابة الإدارية الإشراف على مراحل الانتخابات، كما جرى في ما يسمى "انتخابات" الشيوخ والنواب قبل أشهر قليلة.
والمرحلة الثانية من انتخابات نقابة المهندسين والتي تشمل انتخاب النقيب العام، والأعضاء المكملين لمجلس النقابة العامة، بالإضافة لجولة الإعادة على منصب النقيب الفرعي لعدد "14" نقابة فرعية على مستوى الجمهورية تشهد أزمة المشاركة الضعيفة في انتخابات نقابة المهندسين، بظل أحداث اقتحام مندوب القوات المسلحة كامل الوزير، والانقسامات الداخلية بين قوائم متعددة، والجدل حول الإشراف، وضعف التواصل النقابي، إضافة إلى خلفية قائمة الحكومة ودور الوزارات والشركات الحكومية في دعمها.
نتائج جولة 27 فبراير (المرحلة الأولى) – ماذا حدث؟
وجرت الجولة الأولى من انتخابات نقابة المهندسين يوم الجمعة 27 فبراير 2026، وشملت انتخابات رؤساء النقابات الفرعية في المحافظات، إضافة إلى مقاعد أخرى ضمن التجديد النصفي، وبحسب ما أعلنته اللجنة القضائية العليا المشرفة على الانتخابات، فقد جرت العملية تحت إشراف قضائي كامل داخل 302 لجنة فرعية موزعة على 36 مقرًا انتخابيًا على مستوى الجمهورية، وأسفرت الجولة الأولى عن حسم 12 مقعدًا لرؤساء النقابات الفرعية، بينما دخلت 14 محافظة جولة الإعادة في 6 مارس.
ووفق "صدى البلد" فإن من فاز في محافظة البحيرة: المهندس حمدي عبد السلام الحسيني الخولي بـ 1637 صوتًا (أعلى رقم في الجولة)، وفي الدقهلية: فوز رضا محمد الحسيني الشافعي بـ 1522 صوتًا، وفي أسيوط: فوز الهيثم عبد الحميد نصر عبد الله بـ 1479 صوتًا.
ولم تحسم نقابة القاهرة ودخلت الإعادة بين: سمير محمد حماد (659 صوتًا) في الجولة الأولى وعبد العزيز حسب الله الكفراوي (653 صوتًا) في نفس الجولة.
وهي نتائج تعكس في المجمل أن الجولة الأولى كانت بإقبال هزيل في جمعية عمومية تتكون من مليون و100 ألف مهندس وفي محافظات مثل القليوبية يحق التصويت مثلا لنحو 24 ألف مهندس ، بينما بقيت المنافسة في إطار محدد في محافظات أخرى.
والقائمة الموحّدة (هاني ضاحي – غادة لبيب) والمهندس هاني ضاحي: وزير النقل الأسبق، ونقيب المهندسين الأسبق (2018–2022). والدكتورة غادة لبيب: نائبة وزير الاتصالات للتحول الرقمي، وقيادية حكومية تحالفا قبل انتخابات 2026، وضمّا شخصيات بارزة من خلفيات حكومية وإدارية وقد اعتبرها كثير من المهندسين قائمة ذات طابع حكومي أو مدعومة من جهات رسمية، نظرًا لوجود مسؤولين حكوميين سابقين وحاليين ضمنها بخلاف قوائم محسوبة على الحكومة في قوائم أخرى لتصبح كل الخيارات محددة وفي جيب السلطة.
وظهرت قائمة انتخابية عُرفت إعلاميًا باسم "قائمة الحكومة" أو "قائمة صوت المهندس"، هذا الوصف لم يأتِ من فراغ، بل من شكاوى رسمية وتقارير صحفية تحدثت عن دعم مؤسسي من وزارات وشركات حكومية.
ووفق ما نشرته "صدى البلد"، فقد قدم المرشح محمد عبد الغني شكاوى رسمية إلى رئيس الوزراء ووزراء الإسكان والبترول والكهرباء والنقل، اتهم فيها شركات تابعة لهذه الوزارات بتنظيم حشد لمهندسين لدعم مرشح بعينه، واستخدام إمكانات حكومية في الدعاية، ونقل موظفين لحضور فعاليات انتخابية.
هذه الممارسات، إن صحت، تعطي انطباعًا بأن القائمة مدعومة من جهات حكومية، حتى لو لم يُعلن ذلك رسميًا.
وهذا الدعم المؤسسي زاد من حدة الانقسام داخل النقابة، وأثار مخاوف حول حياد العملية الانتخابية، وساهم في ضعف الإقبال لأن بعض المهندسين شعروا بأن النتيجة محسومة مسبقًا.
ضعف المشاركة
وخلال السنوات الأخيرة، شهدت انتخابات نقابة المهندسين؛ حالة واضحة من ضعف الإقبال، وهو ما ظهر في تقارير صحفية مثل تقرير المصري اليوم الذي أشار إلى أن عدد المصوتين في فرعية القاهرة لم يتجاوز 2200 مهندس من أصل أكثر من 320 ألف لهم حق التصويت، وهو رقم يعكس فجوة كبيرة بين حجم الجمعية العمومية وبين المشاركة الفعلية في صناديق الاقتراع، هذا الضعف في الإقبال لم يكن حدثًا عابرًا، بل نتيجة تراكمات سياسية وتنظيمية ونقابية امتدت لسنوات، وأدت إلى شعور عام لدى المهندسين بأن العملية الانتخابية لم تعد جاذبة أو مؤثرة كما ينبغي.
حتى إن الحقوقي هيثم أبو خليل @haythamabokhal1 تندر على الأرقام واعتبرها سلبية فاحشة، في أن يكون الجمعية العمومية لنقابة المهندسين التي بها 1.1 مليون مهندس انعقدت بحضور 486 مهندسا والفائزون في انتخابات نقابة القاهرة بـ600 صوت وفي نقابة بها 340 ألف مهندس والفائزون في انتخابات نقابة الإسكندرية بـ1300صوت في نقابة بها 115 ألف مهندس، مشددا أنها "مأساة لا تفرز الأصلح ولا الأفضل للأسف".
وعنون حساب "صدى مصر" أنها جمهورية الـ 0.04%.. عندما تبتلع السياسةُ العمل النقابي، وأنها ليست "سلبية" عفوية، بل هي الثمرة المرة لسياسات السيسي في تأميم المجال العام.
فقدان الثقة بعد اقتحام (مايو 2023)
أحد أهم الأسباب التي أدت إلى تراجع الثقة في العملية الانتخابية كان ما حدث خلال الجمعية العمومية غير العادية في 30 مايو 2023، حين تم اقتحام مقر النقابة أثناء التصويت على سحب الثقة من النقيب طارق النبراوي.
ووفق تقارير الشرق الأوسط واندبندنت عربية، فقد هاجم مجهولون اللجان قبل إعلان النتيجة، وتم الاعتداء على المهندسين وتكسير صناديق الاقتراع وإتلاف أوراق التصويت، ما أدى إلى توقف العملية بالكامل وفتح تحقيقات موسعة من النيابة العامة.
وهذه الواقعة كانت صادمة للمهندسين لأنها كسرت الإحساس بالأمان داخل مؤسسة نقابية يفترض أن تكون محمية من أي تدخل أو عنف، وتركت أثرًا طويل المدى على ثقة المهندسين في نزاهة الانتخابات وقدرتها على التعبير عن إرادتهم الحقيقية.
الانقسامات الداخلية والصراع بين التيارات
وبظل هذه الأجواء البلطجية والمطاردة التي يقودها كامل الوزير في المهندسين، عمل طارق النبراوي كنقيب في 2022، ومعه مجلس النقابة بحالة من الاستقطاب الحاد بين تيار الاستقلال الذي يمثله النبراوي، وبين أعضاء محسوبين على حزب مستقبل وطن داخل مجلس النقابة.
وهذا الصراع لم يكن مجرد خلاف إداري، بل تحول إلى مواجهة سياسية وأمنية داخل مؤسسة مهنية، وظهر ذلك في المناوشات داخل المجلس، وفي الاتهامات المتبادلة حول إدارة الملفات المالية والتنظيمية، وفي التنافس على النفوذ داخل النقابة.
واشارت تقارير إلى أن هذا الانقسام كان واضحًا منذ 2022، وأنه لعب دورًا كبيرًا في تأجيج التوترات التي ظهرت لاحقًا في أحداث 2023، هذا المناخ المشحون جعل كثيرًا من المهندسين يشعرون بأن النقابة أصبحت ساحة صراع سياسي لا علاقة له بالمهنة، ما دفعهم إلى العزوف عن المشاركة.
حياد اللجان المشرفة
وظهرت أيضًا شكوك واسعة حول حياد اللجنة المشرفة على الانتخابات.
وانتقد مهندسون تشكيل اللجنة، معتبرين أنه لا يعكس توازنًا بين التيارات، وأن آلية اختيار أعضائها غير واضحة، وأن بعض القرارات الإجرائية اتُّخذت دون توافق داخل المجلس.
وهذه الشكوك زادت بعد أحداث الاقتحام، إذ رأى البعض أن غياب الحماية الكافية للعملية الانتخابية يعكس ضعفًا في الإشراف أو احتمالًا لتأثيرات خارجية، هذا المناخ جعل جزءًا من المهندسين يشعرون بأن العملية الانتخابية قد لا تكون نزيهة بالكامل، وبالتالي لا جدوى من المشاركة.
وهناك سبب جوهري آخر لضعف الإقبال، وهو ضعف التواصل بين النقابة وقاعدة المهندسين، كثير من المهندسين يشكون من أن النقابة لم تنجح في معالجة مشكلات أساسية مثل الأجور، وفرص العمل، والتدريب، والرعاية الصحية، والمعاشات، كما أن النقابة لم تتمكن من تقديم برامج قوية للمهندسين الشباب أو دعمهم في سوق العمل. هذا الضعف في الخدمات جعل المهندس العادي يشعر بأن النقابة بعيدة عن مشاكله اليومية، وبالتالي لا يرى سببًا قويًا للمشاركة في الانتخابات.
الإرهاق العام
ويعيش المهندسون كما المصريون بأجواء الغلاء وتناقص فرص العمل وانهيار الطبقة الوسطى، وبعد سنوات من الصراعات الداخلية، والانقسامات، والأحداث العنيفة، أصبح لدى قطاع كبير من المهندسين شعور بأن التغيير صعب أو مستحيل، وأن الصراع مستمر بغض النظر عن نتائج الانتخابات، وأن النقابة أصبحت مرهقة وغير جاذبة، هذا الإرهاق أدى إلى عزوف طبيعي، خاصة بين المهندسين الشباب الذين لا يرون في العمل النقابي مسارًا فعالًا لتحسين أوضاعهم المهنية.
https://facebook.com/share/p/1HvToHFkvi/?mibextid=wwXIfr
