من بين أبرز الحالات التي حظيت باهتمام وتوثيق واسعين نظراً لخصوصيتها القانونية والإجرائية والتناقضات الزمنية الصارخة الواردة في ملفاتها، تأتي قضية الشقيقين محمد عبد الحي الفرماوي (مدرس) ومصطفى عبد الحي الفرماوي (مهندس برمجيات)، واللذين يواجهان حكماً نهائياً باتاً بالإعدام ضمن القضية المعروفة إعلامياً بـ "فض اعتصام رابعة"، رغم وجود مستندات رسمية صادرة عن جهات حكومية تضع مسار تواجدهما الميداني وجدوى الاتهامات الموجهة إليهما محل تساؤل قانوني ومنطقي جوهري.
سياق الاحتجاز المستمر
وفقاً للبيانات الموثقة من منصات حقوقية ونشطاء وهيئات الدفاع، فإن بداية النزاع القانوني للشقيقين تعود إلى منتصف شهر يوليو من عام 2013، مما يعني مرور سنوات طويلة قضاها الشابان خلف القضبان، وتوضح المؤشرات الإجرائية والتسلسل الزمني لملف الاحتجاز ما يلي:
وجرى اعتقال الشقيقين محمد ومصطفى من منزلهما بتاريخ 14 أو 15 يوليو 2013، وهو التاريخ المثبت رسمياً في محاضر القيد الأولى، مما يعني أن توقيفهما تم قبل نحو شهر كامل من أحداث فض اعتصام رابعة الشهيرة التي وقعت ميدانياً في 14 أغسطس 2013.
(قضية الإصبع)
وتم توقيف الشقيقين في البداية على ذمة قضية فرعية عُرفت بـ "قضية الصباع أو الإصبع"، والتي تمحورت حول اتهام مواطن لبعض المعتصمين باحتجازه وتوجيه معاملة غير قانونية إليه.
ووفقاً لتوثيق "المجلس الثوري المصري" @ERC_egy، فإن المفارقة القانونية تجلت عندما شهد الشاكي نفسه لاحقاً أمام المحكمة بأن محمد ومصطفى هما من تدخلا لإنقاذه ومساعدته، وأن التوجيهات الأمنية دفعته لاتهامهما، ورغم ذلك تجاهلت الدائرة القضائية هذه الشهادة وأصدرت حكماً بحبسهما ثلاث سنوات بناءً على المحضر الأولي.
وعقب انقضاء فترة العقوبة الفرعية أو أثنائها، وتحديداً في يوليو من عام 2015، تفاجأت هيئة الدفاع والأسرة بضم اسمي الشقيقين إلى القائمة الرئيسية للمتهمين في قضية "فض اعتصام رابعة" (المقيدة برقم 3415 لسنة 2014 جنايات أول مدينة نصر)، والتي تداولت أمام محاكم الجنايات وانتهت بصدور حكم جماعي بالإعدام، تأيد بشكل نهائي وبات من قبل محكمة النقض لاحقاً، لينتقل الشقيقان إلى مربع انتظار تنفيذ العقوبة.
المنظمات الدولية ومبررات الطعن القانوني
تتبنى المنظمات الرافضة للحكم، وفي مقدمتها "هيومن رايتس ووتش"، "منظمة العفو الدولية"، و"المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا" @AohrUk_ar إلى جانب "المفوضية المصرية للحقوق والحريات"، استراتيجية دفاعية وحقوقية موحدة تطالب بضرورة إلغاء هذا الحكم وتدعم مبررات الطعن القانوني والالتماس بناءً على عدة ركائز:
ويمثل هذا الدفع المحور القانوني الأقوى؛ إذ من الناحية المنطقية والتشريعية المستقرة، يستحيل على متهمين متواجدين رهن الحبس الاحتجازي الفعلي وتحت حراسة مشددة وفي عهدة مصلحة السجون الرسمية منذ منتصف شهر يوليو، أن يشاركوا ماديّاً أو ميدانياً في تجمهر عام، أو اعتداء على منشآت، أو أعمال عنف شوارع وقعت في منتصف شهر أغسطس من نفس العام.
وتنتقد الهيئات القانونية تعمد محكمتي الجنايات والنقض الالتفات عن دفاتر القيد الرسمية وأوامر الحبس الاحتياطي التابعة لوزارة الداخلية نفسها والتي قدمتها هيئة الدفاع كدليل نفي قاطع لا يقبل الشك، واعتماد المحكمة بدلاً من ذلك بشكل حصري على تحريات قطاع الأمن الوطني المكتبية، وهو ما يراه الخبراء الحقوقيون إخلالاً جسيماً بمبدأ "شخصية العقوبة" وتكريساً لجرائم مفترضة دون ركن مادي.
غياب العدالة المنصفة
وتدرج المنظمات الدولية مثل "هيومن رايتس ووتش" هذه القضية ضمن نمط "المحاكمات الجماعية المسيسة" الناتجة عن الخصومة السياسية؛ حيث جرت محاكمة أكثر من 700 متهم في سياق ملف واحد دون التدقيق الفردي في سلوك كل متهم أو إسناد فعل جنائي ملموس ومحدد ومثبت يربطه بالوقائع، وهو ما يمثل خرقاً جوهرياً للاتفاقيات الدولية المعنية بحقوق الإنسان والمعايير العالمية للمحاكمات العادلة.
وفي بيان آخر، أدانت "المنظمة العربية لحقوق الإنسان" إدراج اسمي محمد ومصطفى الفرماوي ضمن قائمة المحكومين بالإعدام النهائية التي شملت 12 معتقلاً بينهم رموز سياسيون وقادة فكر، مؤكدة أن افتقار القضية للأدلة المادية وتحول أوراق النفي إلى أدوات إدانة يثبت الطابع السياسي للانتقام.
وأثارت القضية موجة واسعة من التعاطف والتضامن على منصات التواصل الاجتماعي، ركزت في مجملها على الخلفية الأكاديمية والاجتماعية للعائلة؛ فالشقيقان هما أبناء العالم الأزهري الراحل الدكتور عبد الحي الفرماوي، رئيس قسم التفسير وعلوم القرآن الأسبق بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر، والذي عُرف بمكانته العلمية والدينية في مصر والعالم الإسلامي واستشهد في معتقله في 2017.
واسترجعت المغردة مريم برديسي @MariamElBardisy كواليس البدايات في يوليو 2013 قائلة: "فاكرة كويس أوي أما وقفنا قدام محكمة التجمع في يوليو ٢٠١٣ قبل الفض عشان قضية الصباع اللي فيها هيثم العربي والأخوان الفرماوي وأحمد فاروق اللي تأيد عليهم حكم الإعدام".
وأشارت الحساب التضامني، ل"نور شمس" @NOOR85shams وحساب المغردة سونيا @SonyaElSakka عبر تفعيل وسم #اوقفوا_الإعدام_في_مصر، إلى الجوانب الإنسانية والاجتماعية في حياة الشابين، مستحضرين سيرتهما بين الجيران ونشاطهما الخيري المعتاد مثل السهر ليلة العيد لتجهيز هدايا الأطفال وبرامج السمر لإدخال الفرحة على قلوب الصغار، معتبرين أن إصرار الجهات القضائية على دمج أسمائهما يعكس استهدافاً غير مباشر لإرث والدهما الأكاديمي والفكري.
وأكد المغرد آدم ريان @AdamRay95646326 على حسن سيرة العائلة ونشأة الشابين على الخلق القويم والالتزام المجتمعي، معبراً عن صدمته وأسفه من التقصير الجماعي في إبراز هذه المظلمة القانونية الواضحة التي غيبت الشقيقين عن حياتهما المهنية والأسرية دون وجه حق.
تظل قضية محمد ومصطفى الفرماوي واجهة ومثالاً حياً تكرره التقارير الحقوقية الدولية والمحلية للمطالبة بضرورة تفعيل الأداة القانونية الاستثنائية المعروفة بـ "التماس إعادة النظر"، نظراً لظهور أوراق رسمية قاطعة الدلالة تنفي تماماً أي إمكانية لوجود المتهمين في النطاق الجغرافي والزمني للجريمة محل الإدانة.