الحروب بنتائجها وليست بتصريحات القادة العسكريين والسياسيين, الذين غالبا ما يسوقون الانتصار للعامة لتقوية مواقفهم في الانتخابات, للانتصار قواعد من أهمها احكام السيطرة علي الأرض وفرض نظام القوة المهاجمة, وهذا مالم يتحقق في غزة بعد حرب استمرت عامين فلم يتمكن جيش الاحتلال من إحكام السيطرة المطلقة علي أي جزء منها الا من خلال اتفاق وقف اطلاق النار برعاية أمريكية ودولية, وفي جنوب لبنان مازال حزب الله صامدا في مواجهة جيش الاحتلال علي مدار أكثر من عامين تعرض خلالها لكثير من الانكسارات وقتل القادة السياسيين والعسكريين، ومع ذلك الحزب لم ينهزم وإسرائيل لم تنتصر, أعاد الحزب ترتيب صفوفه وأعاد تسليح قواته واستعاد قوته وحضوره العسكري الفعال, لدرجة ان جيش الاحتلال عجز عن انقاذ الجرحى والقتلى وسحب المركبات العسكرية المدمرة من مواقع في جنوب لبنان.
رغم تكرار قادة الاحتلال لمزاعم الانتصار ، لكن الوقائع على الأرض تفنّدها، على الأقل وفقا للاعترافات الاسرائيلية، فحماس تقوم بإعادة تأهيل مجموعة منصات الإطلاق، ويقوم حزب الله بتشغيل مجموعة لاستقبال مجندين جدد.
الكاتب في موقع ويللا، نير كيبنيس، طالب القراءة "بالذهاب في جولة قصيرة على جبهتين عسكريتين رئيسيتين تحتلان السجال الإسرائيلي، حيث لا تزالان تشهدان حربا "منخفضة الشدة" مستمرة، والمقصود هنا غزة ولبنان، ففي الأولى هاجم الجيش الإسرائيلي، بحسب الإعلان الرسمي، منصات إطلاق صواريخ، وكأننا أمام أخبار من حقبة ماضية، وكأن حماس تبني قوتها كما فعلت قبل غزوتها في السابع من أكتوبر، من حيث بناء قاذفات الصواريخ، والوحدات المسلحة التي تملأ الصفوف بمجندين جدد".
وأضاف كيبنيس في مقال أن "كل هذا لا يحدث في الظلام، بل تحت أعين إسرائيل، فهل يعلم أحد أن أنفاقاً جديدة ربما يتم حفرها الآن لتهريب الأسلحة من مصر لقطاع غزة، وهل يعرف أحد ما الذي يحدث تحت محور فيلادلفيا مثلا، حيث وقف رئيس الوزراء، وقدم بالعلامات والأمثلة أنه "صخرة وجودنا"، ومزاعمه عن سيطرة الجيش الإسرائيلي على أكثر من نصف القطاع، دون أن يكون لهذه الادعاءات علاقة بالواقع، حيث تدير حماس نظام إعادة تجهيز بالصواريخ".
وأشار كيبنيس إلى أن "الأسوأ من ذلك كله أنه يحصل تحت "إشراف" دولي، وهو الإشراف الذي كان من المفترض أن يضمن نزع سلاح حماس، لكن الوقائع الماثلة اليوم بعد أكثر من ثلاثين شهرا على الحرب تؤكد أننا خضناها دون أي استراتيجية، ولا معرفة بما سيحدث في اليوم التالي".
وانتقل الكاتب للحديث عن "جبهة لبنان، وعودة قوة الرضوان، حيث يقوم الجيش الإسرائيلي بإعداد خطط طوارئ ليوم الانسحاب القسري، رغم مزاعم يسرائيل كاتس بان أي انسحاب لن يحدث، حتى تحت الضغط الأمريكي، لكننا في أسوأ الأحوال، سنغادر وذيولنا بين أرجلنا، بعد إهانة أخرى من دونالد ترامب، الرئيس الأمريكي الذي هنأت بعض الأوساط الإعلامية الإسرائيلية فوزه في الانتخابات، وأضافوا بضع كلمات كراهية للرئيس جو بايدن، وهو آخر رئيس صهيوني أنقذ إسرائيل بكلمة واحدة لحلفاء حماس: لا تفعلوا".
وأوضح أن "التقارير الواردة تتحدث عن عملية تجنيد مقاتلين لتجديد صفوف حزب الله، بما فيها قوة الرضوان، استعداداً لإعادة انتشارها في جنوب لبنان، حيث يتم منح ما معدله 1000 دولار شهريا من الراتب والمزايا الأخرى لكل مجند جديد".
وختم كيبنيس بالقول: إن "كل ذلك يطرح تساؤلات جديدة عما ستفعله إسرائيل، التي هاجمت حتى وقت قريب علناً شحنات الأسلحة لحزب الله بإسقاط طائرات الركاب التي سيسافر فيها المجندون الجدد من طهران إلى بيروت، ومن سيمنع تعزيز قوة الحزب الذي تفاخر نتنياهو بأننا أعدناه عشرات السنين للوراء".
تكشف هذه السطور الإسرائيلية حجم الإحباط من التراجعات الجارية في جبهتي غزة ولبنان، صحيح أن جيش الاحتلال أوقع فيهما دمارا وخرابا كبيرين، لكن المعطيات السياسية الماثلة تفيد بأنه لم يترجم هذا الدمار إلى نتائج سياسية على الأرض، وهنا مكمن خيبة الأمل الاسرائيلية.