حذر مراقبون من سلسلة تصريحات منسقة ومكثفة صدرت عن رئيس حكومة السيسي مصطفى مدبولي، ووزير الدولة للإعلام الانقلابي ضياء رشوان، فضلاً عن نواب برلمانيين وإعلاميين، تروج لما يُعرف بـ "تصدير العقار" وفتح الباب لتملك الأجانب للأصول العقارية والوحدات السكنية دون التقيد بضوابط صارمة، مما أثار حفيظة طيف واسع من الخبراء الاقتصاديين، والعسكريين المتقاعدين، والمواطنين على منصات التواصل الاجتماعي.
وتمثلت جبهة الرفض والنقد في عدد من الأكاديميين والمحللين يواجهون الرواية الحكومية التي ترى في بيع وتمليك العقارات للأجانب "ثروة معطلة" وفرصة لجذب النقد الأجنبي، وبين قراءة إستراتيجية ترى في هذا التوجه خطراً ديموجرافياً وأمنياً يمس السيادة الوطنية، ويؤدي إلى حرق أسعار السوق العقاري المحلي والتضييق على المواطنين أصحاب الدخول الثابتة.
تصدير العقار
وتستند الأطروحات الرسمية والإعلامية المؤيدة للمشروع إلى مبررات مالية واستثمارية، حاولت التقليل من مخاوف الشارع عبر حزمة من المبررات:
واعتبر مدبولي نهاية الأسبوع الماضي من يونيو الجاري أن تملك الأجانب للعقارات في مصر ليس أمراً سلبياً، مشيراً إلى أن دولاً كبرى في العالم والمنطقة تعتمد على جذب الأجانب لتملك العقارات، ومؤكداً أن الأجنبي لا يتملك الأرض ذاتها بل العقار، وأن هذا التوجه يسهم في جذب شريحة جديدة من السائحين.
وقلل ضياء رشوان من شأن المخاوف الشعبية قائلاً: "إن هذه ليست أصول الدولة، بل هي أصول الناس.. فما الضرر إن باع مواطن شقة أو اثنين أو حتى مليون وحدة سكنية للأجانب؟ فالمكاسب على الاقتصاد القومي كبيرة جداً".
ودعهما ضمن الحملة عمود خيمة الأذرع عمرو أديب فوصف الوحدات العقارية المغلقة في مصر (والتي قدرها بنحو 20 مليون وحدة) بأنها "ثروة معطلة تحتاج للتحريك" عبر التصدير لتوفير السيولة الدولارية، معتبراً أن مصر دولة قوية قادرة على وضع ضوابط تمنع التملك في المناطق الحساسة.
وقال رئيس اللجنة الاقتصادية بالنواب طارق شكري: إن تملك الأجانب "أمر محمود ومرحب به جداً ولا يوجد أي نوع من القلق" بشأن الأبعاد الديموجرافية.
انتقادات موجهة
قوبلت هذه النبرة الحكومية برفض حاد من المواطنين، الذين اعتبروا التصريحات استخفافاً بالعقول وتفريطاً في سيادة الدولة:
وشنت الناشطة سلوى محمد هجوماً على رئيس الوزراء والبرلمان، معتبرة أن السماح بشراء العقارات للأراضي دون حد أقصى يمثل تهديداً مباشراً، مطالبة بإقالة ومحاسبة المسؤولين عن هذه القرارات "
https://twitter.com/Sola71721771/status/1806000000000000000
وواجه مغردون النائب طارق شكري بانتقادات لاذعة حيث أشار المغرد يحيى الزهيري إلى أن دفاع رئيس اللجنة الاقتصادية عن هذا القانون ينبع من كونه صاحب مصلحة مباشرة؛ نظراً لشغله مناصب استثمارية وتطويرية كبرى مثل رئيس مجلس إدارة مجموعة عربية للاستثمار العقاري، ورئيس غرفة صناعة التطوير العقاري، مما يجعله مستفيداً مالياً بالدولار على حساب الأمن القومي.
وقارن المدون محمد أحمد: "بين هذا التوجه وبين البدايات التاريخية لاحتلال فلسطين التي بدأت بشراء تدريجي للعقارات والأراضي، مفنداً ادعاء ضياء رشوان بأن الوحدات أصول ناس وليست أصول دولة، ومؤكداً أن شراء أجانب لعقارات على شواطئ مصر والساحل الشمالي والمدن الحدودية يحولها بمرور الوقت إلى "كومباوندات" مغلقة تمس السيادة الوطنية بالمتر".
https://www.facebook.com/photo/?fbid=1636073621853225&set=a.548126983981233
القراءة الاقتصادية والأمنية
وقدم الخبير الاقتصادي الدكتور رضا عبد السلام (محافظ سابق بعهد الانقلاب) تحليلاً هيكلياً فند فيه جدوى "تصدير العقار"، مؤكداً على أن أرض مصر كلها "أرض حرام" ولا يمكن التعامل مع تمليكها للأجانب كأولوية استثمارية، محذراً من أن التوسع في هذا الأمر سيجعل أهل مصر غرباء أو مجرد عاملين لدى الأجانب في وطنهم، وهو ما يهدد التركيبة السكانية والأمن القومي في ظل حزام النار الإقليمي المحيط بالبلاد.
وأوضح أن المشتري الأجنبي سيقوم لاحقاً بإعادة بيع العقار بسعر أعلى ويجمع دولارات أكثر من داخل السوق المحلي ليعود بها إلى بلده، مما يتسبب في إشعال أسعار سوق العقارات المحلي ويحرم الملايين من أبناء مصر أصحاب الدخول الثابتة والمحدودة من القدرة على منافسة القادم من الخارج.
ودعا "عبد السلام" الحكومة للتركيز على الاقتصاد الحقيقي المستدام (الزراعة، الصناعات المتقدمة، وصناعة السيارات والطاقة) كنموذج الصين، مقترحاً أن يقتصر التملك في المناطق الصناعية، أو الاعتماد على نظام "حق الانتفاع طويل الأجل" وعقود الـ (BOT) لمدة 30 عاماً، بما يضمن بقاء أصل الأرض للدولة وللأجيال القادمة:
التحذيرات السيادية
وانتقد قادة عسكريون متقاعدون الأسلوب الإداري والعشوائي في طرح مثل هذه الملفات المصيرية:
وقال اللواء عبد الغفار أبو العطا بضرورة صياغة تشريع قانوني واضح يضع ضوابط صارمة لتملك الأجانب للأصول المصرية لمنع جدلية الرأي العام، منتقداً تصريحات وزير الإعلام ومصفاً إياها بـ "العنترية والمنفلتة"، مؤكداً أن الدول العريقة تضع قوانين تتوافق مع أمنها القومي واقتصادها، ولا تترك المسألة للتخمين أو "التغمية" الإعلامية.
وحذر من تجفيف المنابع؛ تقرير صادر عن "المجلس الثوري المصري" من أن التوسع غير المدروس في بيع الأصول العامة وتصدير العقارات بشكل عشوائي يندرج تحت سياسة تجفيف منابع القوة الشاملة للدولة، تاركاً البلاد غارقة في الديون والأزمات الديموغرافية دون الحاجة لخوض حروب عسكرية مباشرة:
https://twitter.com/ERC_egy/status/1806111111111111111
مستقبل السوق العقاري المحلي
وأشارت قراءات مدنية وميدانية (مثل منشور الحساب التوعوي Ibn Harb) إلى أن تملك الأجانب للعقارات يحمل في طياته خطراً حقيقياً يتمثل في زيادة الضغط على سوق العقار المحلي؛ حيث يؤدي غياب التشريعات الرادعة إلى تحول الوحدات السكنية من ملاذ آمن للمواطن البسيط إلى أداة للمضاربة المالية الدولية، مما يهدد السلم الاجتماعي والاستقرار المعيشي للطبقات المتوسطة والدنيا في المجتمع المصري.