وصفت دوريات غربية الغارات التي شنها الطيران الحربي المصري، على عاملين بمجال التعدين عن الذهب في الأراضي السودانية بأنها "جريمة حرب" وأنه يظل احتمالاً قانونياً جدياً يستحق التحقيق، ويتطلب حسمه تحديد الموقع الدقيق للغارة، وهوية الطائرات والذخائر، وطبيعة الهدف، والمعلومات المتاحة للجهة المهاجمة وقت الضربة، والخسائر المدنية المتوقعة، وأي ميزة عسكرية كانت تسعى إلى تحقيقها وهو ما حدث فعليا.
ومن المفترض أن يتناول التحقيق عناصر منها الاستقلال وحفظ الأدلة الرقمية وشهادات الناجين، وأن يتيح للجهات المتهمة فرصة الرد على الاتهامات، فذلك هو الطريق إلى تحديد المسؤولية على أساس الأدلة، لا على أساس الافتراضات وحدها.
منجم في السودان!
وفي تقرير بعنوان "تحقيقات المصادر المفتوحة: اتهامات للقوات المصرية بقصف منجم ذهب في السودان ومقتل عشرات العمال"، كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" الامريكية؛ عن مقتل عشرات العاملين في منجم ذهب غير رسمي بولاية البحر الأحمر شمال شرقي السودان، إثر غارات جوية وقعت خلال عطلة نهاية الأسبوع، بالقرب من الحدود المصرية. واستند التقرير إلى مقاطع فيديو من موقع الهجوم، وشهادات ناجين، وتقارير منظمات حقوقية سودانية، إلى جانب تحليل بصري لذخائر يُشتبه في أنها مصرية.
ويكتسب الهجوم أهمية خاصة بسبب وقوعه في منطقة خاضعة لسيطرة الجيش السوداني، وبعيدة نسبياً عن خطوط المواجهة الرئيسية في الحرب، فضلاً عن الاتهامات التي طالت القوات المصرية، رغم التحالف الوثيق بين القاهرة والجيش السوداني منذ اندلاع النزاع.
بحسب التقرير، استهدفت الغارات منجماً مكشوفاً للذهب في منطقة جبلية نائية بولاية البحر الأحمر، على مسافة تقارب 40 كيلومتراً من الحدود السودانية المصرية، وأظهرت مقاطع مصورة جثثاً ومصابين بين أكياس الصخور المحتوية على المعادن، فضلاً عن مشاهد لطائرات تحلق فوق المنطقة وذخائر تسقط على الأرض.
وقدّرت منظمة «محامو الطوارئ» عدد القتلى بنحو 72 شخصاً، بينما تحدث شاهدان عن سقوط ما لا يقل عن 65 قتيلاً، إلى جانب 120 جريحاً أو أكثر، وأفاد أحد الناجين بأن الطائرات الحربية نفذت ثلاث ضربات على الأقل خلال ساعة واحدة، ابتداءً من نحو التاسعة صباح السبت.
وتعكس شهادات الناجين حجم المأساة الإنسانية التي طالت عمالاً، معظمهم من الشباب الفقراء الذين يعملون في ظروف شديدة القسوة، بحثاً عن مصدر رزق في قطاع التعدين الأهلي.
استخدام ذخائر مصرية
واعتمدت نيويورك تايمز على تحليل مقاطع فيديو نُشرت عقب الهجوم، ومقارنتها بمقاطع أخرى توثق المنطقة وآثار القصف. وأكدت الصحيفة أن المقاطع لم تكن منشورة على الإنترنت قبل يوم السبت، وأن المعالم الجغرافية الظاهرة فيها تتطابق مع مشاهد أخرى مرتبطة بالغارات، مع الإشارة إلى أنها لم تتمكن من التحقق فوراً من الموقع الدقيق للهجوم.
كما استعانت الصحيفة بتريفور بول، وهو فني سابق في الجيش الأميركي متخصص في تفكيك الذخائر المتفجرة، لتحليل المواد المصورة، وقال بول "إن أحد المقاطع يُظهر ما يبدو أنه قنبلة مصرية من طراز «نصر 400» لم تنفجر".
وتعزز هذه المؤشرات فرضية وجود صلة مصرية بالهجوم، لكنها لا تكفي، بمفردها، لإثبات المسؤولية النهائية عن تنفيذ الضربات، ويظل التحقق المستقل من نوع الذخائر وموقع استخدامها والجهة التي أطلقتها عاملاً أساسياً لحسم ملابسات الواقعة.
الموقف المصري والسوداني
في مواجهة الاتهامات، أعلن المتحدث العسكري المصري أن القوات المصرية تنفذ المرحلة الثالثة من حملة واسعة لمكافحة التنقيب غير القانوني عن الذهب في الصحراء الشرقية، وأوضح أن الحملة جاءت بعد إسقاط منشورات تحذيرية تستهدف ما وصفهم بـ«العناصر الإجرامية»، لكنه شدد على أن العمليات جرت داخل الأراضي المصرية، وليس داخل السودان.
في المقابل، تجنب الجيش السوداني توجيه اتهام مباشر إلى أي طرف، وأعلن قائده الفريق أول عبد الفتاح البرهان، يوم الاثنين، فتح تحقيق في الحادث، واصفاً إياه بأنه «حادث مؤلم».
ويكشف التباين بين الاتهامات الواردة في التقارير والشهادات من جهة، والموقفين الرسميين المصري والسوداني من جهة أخرى، عن حساسية القضية سياسياً وعسكرياً، خصوصاً في ظل العلاقات الوثيقة بين القاهرة والقيادة العسكرية السودانية.
خلفية الهجمات السابقة ودلالاتها
أشار التقرير إلى حادثة سابقة في يونيو الماضي، عندما اتهم عمال مناجم وتقارير إعلامية سودانية القوات المصرية بشن هجوم بطائرة مسيّرة على منجم ذهب في المنطقة نفسها. وسبق ذلك إعلان الجيش المصري حملة أمنية ضد أنشطة التعدين غير القانونية قرب الحدود السودانية، تضمنت نشر تحذيرات تدعو العاملين إلى مغادرة المنطقة.
كما ذكّرت الصحيفة بتحقيق سابق نشرته في فبراير الماضي حول قاعدة مصرية سرية للطائرات المسيّرة تدعم العمليات العسكرية للجيش السوداني، ويضيف هذا السياق أهمية إلى التحقيق الجديد، لكنه لا يشكل، بحد ذاته، دليلاً مباشراً على مسؤولية مصر عن الغارات الأخيرة.
وتبرز هذه الوقائع احتمال تحول المناطق الحدودية إلى مسرح لعمليات أمنية تتجاوز مكافحة التعدين غير القانوني، بما يثير تساؤلات بشأن قواعد الاشتباك، وحماية المدنيين، واحترام السيادة الإقليمية.
سابعاً: الذهب وتمويل الحرب في السودان
يمثل الذهب أحد أهم الموارد الاقتصادية في السودان خلال الحرب، إذ يدرّ عائدات بمليارات الدولارات سنوياً، ويعتمد طرفا الصراع بدرجات مختلفة على موارده في تمويل عملياتهما العسكرية.
وقد سبق للجيش السوداني أن استهدف مناجم تسيطر عليها قوات الدعم السريع في جنوب البلاد، في إطار محاولاته لحرمان خصمه من مصادر التمويل، غير أن الهجوم الأخير يختلف عن تلك العمليات، وفقاً للتقرير، لأنه وقع في منطقة يسيطر عليها الجيش السوداني ولا تشهد مواجهات واسعة النطاق.
ويكشف ذلك عن تعقيدات اقتصاد الحرب، حيث تتداخل أنشطة التعدين غير الرسمي مع سبل عيش السكان المحليين، ومصالح الجماعات المسلحة، والاعتبارات الأمنية للدول المجاورة، وفي هذه البيئة، قد يجد العمال الفقراء أنفسهم في قلب عمليات عسكرية لا يملكون القدرة على تجنبها.
الأبعاد الإنسانية للهجوم
تُظهر الشهادات الواردة في التقرير أن الضحايا كانوا زملاء وأصدقاء يعملون ويأكلون معاً في ظروف صعبة، وروى أحد الناجين، سيف الدين آدم، أنه احتمى داخل حفرة للتعدين برفقة طفل صغير أثناء الغارات، قبل أن يخرج ليواجه مشاهد وصفها بالمروعة.
وتسلط هذه الشهادات الضوء على هشاشة أوضاع العاملين في التعدين الأهلي، الذين يفتقر كثير منهم إلى الحماية الأمنية والخدمات الطبية وشروط العمل الآمن، كما تشير إلى أن استمرار النشاط الاقتصادي رغم المخاطر يرتبط بالحاجة إلى إعالة الأسر، لا بمجرد تجاهل التحذيرات.
ويؤكد الحادث ضرورة التحقيق في ظروف استهداف الموقع، وتحديد طبيعة الأهداف العسكرية المحتملة، والتحقق من التدابير المتخذة لحماية المدنيين، خصوصاً إذا ثبت أن الضربات طالت عمالاً لا يشاركون في الأعمال القتالية.
دوريات غربية
وعن المسؤولية عن مقتل العمال قالت وكالة رويترز: "إن الاتهام لم يُتحقق منه بصورة مستقلة حتى الآن، وإن كانت الواقعة وُصفت بأنها جريمة حرب يظل احتمالاً قانونياً جدياً يستحق التحقيق، وليس حكماً قضائياً نهائياً، ويتطلب حسمه تحديد الموقع الدقيق للغارة، وهوية الطائرات والذخائر، وطبيعة الهدف، والمعلومات المتاحة للجهة المهاجمة وقت الضربة، والخسائر المدنية المتوقعة، وأي ميزة عسكرية كانت تسعى إلى تحقيقها".
ومن المهم أن يتناول أي تحقيق مستقل هذه العناصر، وأن يحفظ الأدلة الرقمية وشهادات الناجين، وأن يتيح للجهات المتهمة فرصة الرد على الاتهامات. فذلك هو الطريق إلى تحديد المسؤولية على أساس الأدلة، لا على أساس الافتراضات وحدها.
وحمّلت منظمة «محامو الطوارئ» القوات الجوية المصرية مسؤولية الغارة التي قالت "إنها قتلت ما لا يقل عن 72 عاملاً"، وشددت الوكالة على أنها لم تتمكن من التحقق فوراً من هذا الاتهام، وأن الجيش المصري لم يعلّق على الغارة في حينه، بينما لم ترد وزارة الخارجية المصرية فوراً على طلب التعليق.
وهو موقف صحفي لا يعني تبرئة مصر، ولا يعني إثبات مسؤوليتها؛ بل يعني أن رويترز فرّقت بين اتهام صادر عن جهة حقوقية وبين واقعة ثبتت بصورة مستقلة، ومن الناحية القانونية، يتطلب إسناد المسؤولية تحديد الجهة التي نفذت الهجوم، والأشخاص الذين أصدروا الأوامر أو شاركوا في التنفيذ، والأدلة التي تربطهم بالواقعة.
هوية منفذ الغارة غير معروفة
وزعمت "أسوشيتد برس" أن الهجوم وقع في منطقة حدودية متنازع عليها بين السودان ومصر وليبيا، وأن شبكة أطباء السودان أعلنت مقتل 13 عاملاً وإصابة 28 آخرين في حصيلتها الأولية، ونقلت الوكالة شهادات عن استهداف موقع للتعدين الأهلي، مع الإشارة إلى أن مصدر الغارة لم يكن محدداً وقت نشر التقرير.
وتكمن أهمية هذه التغطية في أنها تفصل بين وقوع الهجوم وسقوط الضحايا، وهما أمران تدعمهما التقارير الأولية، وبين تحديد المسؤولية، وهو أمر ظل غير محسوم، كما أن وقوع المنجم في منطقة متنازع عليها يجعل تحديد موقع الضربة بدقة أمراً مهماً عند تقييم السيادة الإقليمية والقانون الواجب التطبيق، لكنه لا يلغي التزامات حماية المدنيين.
التحفظ على هوية الطائرات
وذكرت قناة "سكاي نيوز" أن منظمة «محامو الطوارئ» أعلنت مقتل 72 شخصاً، وأن شبكة أطباء السودان قدمت حصيلة أولية أقل. وأكدت أن هوية الجهة المسؤولة عن الغارة والطائرات المستخدمة لم تكن قد تأكدت، كما أشارت إلى تحذيرات مصرية سابقة دعت عمال المناجم إلى إخلاء المنطقة.
وكشفت عن وجود تحذيرات مسبقة قد يكون عنصراً مهماً في التحقيق، لكنه لا يحسم مشروعية الهجوم. فحتى إذا ثبت أن السلطات حذرت العاملين، فإن ذلك لا يمنحها تلقائياً الحق في استهدافهم، ولا يحوّل المدنيين إلى أهداف عسكرية لمجرد استمرارهم في العمل في منطقة حُذّروا من البقاء فيها.
دويتشه فيله
ونقلت دويتشه فيله، الالمانية، تقدير منظمة حقوقية بمقتل 72 عاملاً في الغارات على منطقة تعدين نائية، ووضعت الواقعة في سياق الهجمات السابقة على مواقع التعدين الأهلي، مع الإشارة إلى حساسية المنطقة الحدودية وانتشار أنشطة التعدين غير النظامي.
لكن وضع الهجوم في سياق مكافحة التعدين غير القانوني لا يجيب وحده عن سؤال مشروعيته، فمخالفة قوانين التعدين أو الاشتباه في التهريب لا تسقط الحماية المدنية عن العاملين، كما أن استخدام القوة العسكرية ضد موقع مدني يتطلب تبريراً قانونياً قائماً على طبيعة الهدف والظروف الفعلية للهجوم.
ويمكن أن ترقى الغارات المصرية على السودان لقتل العشرات، إلى جريمة حرب إذا ثبتت وقائع محددة، لكن لا يمكن الجزم قانونياً بذلك من عدد القتلى وحده أو من الاتهامات الصحفية فقط.
تنص قواعد القانون الدولي الإنساني على وجوب التمييز بين المدنيين والمقاتلين، وتحظر توجيه الهجمات إلى المدنيين بصفتهم هذه. كما تحظر الهجمات التي يُتوقع أن تسبب خسائر مدنية مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية الملموسة والمباشرة المتوقعة بحسب الموقع.
وتوجد ثلاثة احتمالات قانونية رئيسية في هذه القضية:
استهداف المدنيين عمداً؛ وإذا ثبت أن المنجم استُهدف مع العلم بأن الموجودين فيه مدنيون لا يشاركون مباشرة في القتال، وأنهم كانوا هم الهدف، فقد يشكل ذلك جريمة حرب.
وأنه إذا كان هناك هدف عسكري مشروع، لكن الضرر المتوقع على المدنيين كان مفرطاً قياساً بالميزة العسكرية المباشرة المتوقعة، فقد تنشأ مسؤولية عن جريمة حرب.
إذا لم يكن المنجم أو الموجودون فيه يشكلون هدفاً عسكرياً مشروعاً، فإن تعمد مهاجمتهم قد يشكل انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي الإنساني، وقد يرقى إلى جريمة حرب بحسب الوقائع والعناصر القانونية المتوافرة.
إذا أثبت التحقيق أن القوات المصرية نفذت الغارة، وأنها استهدفت عمداً عمالاً مدنيين أو نفذت هجوماً مخالفاً للقواعد القانونية ذات الصلة، فقد تنشأ مسؤولية الدولة، كما قد تنشأ مسؤولية جنائية فردية للقادة أو المنفذين الذين توافرت بحقهم عناصر الجريمة، أما إذا ثبت أن الجهة المنفذة مختلفة، فيجب تحديد مسؤوليتها بناءً على الأدلة نفسها.
ولا يكفي القول "إن العمال كانوا ينقبون عن الذهب بصورة غير قانونية لتبرير قصفهم". كذلك، فإن وجود تحذيرات مسبقة لا يعفي القوة المهاجمة من واجب التحقق من الهدف، واتخاذ الاحتياطات الممكنة، واحترام مبدأ التناسب.
يقدم تقرير نيويورك تايمز صورة عن هجوم جوي دموي استهدف منجم ذهب غير رسمي في ولاية البحر الأحمر السودانية، وأسفر، وفق تقديرات حقوقية وشهادات شهود، عن مقتل عشرات العمال وإصابة أكثر من مئة شخص، وتستند الشبهات بشأن الدور المصري إلى شهادات محلية، ومقاطع مصورة، وتحليل لذخيرة يُعتقد أنها مصرية، في حين تؤكد القاهرة أن عملياتها لم تتجاوز حدودها، وأعلن الجيش السوداني فتح تحقيق في الحادث.
وتتجاوز أهمية القضية تحديد الجهة المسؤولة عن الغارات؛ فهي تكشف عن تداخل الأمن الحدودي مع اقتصاد الذهب وتمويل الحرب، وعن المخاطر التي يواجهها المدنيون في مناطق التعدين النائية.