“القطاع الخاص غير النفطي في مصر” بحالة انكماش متسارع .. الغلاء يضرب والشركات تكافح للبقاء

- ‎فيتقارير

تسارعت وتيرة انكماش نشاط القطاع الخاص غير النفطي في مصر خلال سبتمبر 2026، مع تدهور ملحوظ في ظروف الأعمال وتراجع حاد في الإنتاج والطلبات الجديدة، بالتزامن مع ارتفاع الضغوط على تكاليف مستلزمات الإنتاج وأسعار البيع، في أحدث مؤشر على استمرار الضغوط التي تواجه الشركات خارج قطاع النفط.

وقالت الشرق بلومبرج @AsharqBusiness إن مؤشر مديري المشتريات للقطاع الخاص غير النفطي في مصر تراجع إلى 47.2 نقطة خلال سبتمبر، مقابل 49.6 نقطة في أغسطس، وهو ما يعني ابتعاد المؤشر مجددًا عن مستوى 50 نقطة، الفاصل بين النمو والانكماش. 

وأشارت إلى أن البيانات أظهرت انخفاضًا حادًا في معدلات الإنتاج والطلبات الجديدة، إلى جانب ارتفاع قوي في أسعار البيع وسط تسارع في تضخم التكاليف.

ويعكس التراجع من 49.6 إلى 47.2 نقطة فقدان التحسن المحدود الذي ظهر في أغسطس، عندما سجل المؤشر أعلى مستوى له في سبعة أشهر، قبل أن تعود الضغوط إلى التصاعد خلال سبتمبر.

 

ضعف الطلب يضغط على الإنتاج والمبيعات

وتشير بيانات مؤشر مديري المشتريات الصادرة عن S&P Global إلى أن تراجع الطلب يمثل أحد أبرز مصادر الضغط على الشركات المصرية، مع انخفاض الإنتاج والطلبات الجديدة بوتيرة حادة خلال سبتمبر.

وقالت الجزيرة – اقتصاد @AJAeconomy إن انكماش القطاع الخاص غير النفطي تفاقم خلال سبتمبر، فيما ابتعد المؤشر بصورة أكبر عن مستوى 50 نقطة، مع تراجع الإنتاج والطلبيات الجديدة نتيجة ضعف الطلب واستمرار الاضطرابات الجيوسياسية وارتفاع الضغوط التضخمية.
كما انخفضت مبيعات التصدير للشهر السابع على التوالي، وإن كان الانخفاض بوتيرة طفيفة، بما يشير إلى استمرار الصعوبات التي تواجه الشركات في الأسواق الخارجية بالتزامن مع ضعف الطلب المحلي.

وفي المقابل، سجل التوظيف زيادة للشهر الثاني على التوالي، في أول ارتفاع متتالٍ في أعداد العاملين منذ أكثر من عام، بينما ارتفع تضخم تكاليف مستلزمات الإنتاج إلى أعلى مستوى في ثلاثة أشهر، مع استمرار انتقال جانب من هذه الزيادات إلى أسعار البيع.

التضخم وتكاليف الإنتاج يضغطان على هامش الشركات

لا تعكس أرقام الانكماش مشكلة ضعف الطلب وحدها، إذ تواجه الشركات في الوقت نفسه ارتفاعًا في تكلفة التشغيل والإنتاج. وتشير بيانات سبتمبر إلى زيادة قوية في أسعار البيع، في الوقت الذي ارتفعت فيه تكاليف مستلزمات الإنتاج، ما يضع الشركات أمام معادلة صعبة: رفع الأسعار لمواجهة زيادة التكلفة، أو تحمل جانب من الزيادة للحفاظ على الطلب، في سوق يعاني أصلًا من ضعف القدرة الشرائية. 

وكانت الضغوط التضخمية قد ظهرت بوضوح في بيانات الأشهر السابقة، مع ارتفاع أسعار المواد الخام ومستلزمات الإنتاج وتكاليف التشغيل، وهي عوامل انعكست على قرارات الشركات المتعلقة بالإنتاج والمشتريات والمخزون.

يونيو.. أسوأ أداء للقطاع غير النفطي منذ يناير 2023 

وتأتي أرقام سبتمبر بعد تراجع أكثر حدة شهده القطاع خلال يونيو 2026، عندما انخفض مؤشر مديري المشتريات إلى 46 نقطة، مقابل 47.1 نقطة في مايو، ليسجل أدنى مستوى منذ يناير 2023.

وكان تقرير نشرته عرب نيوز في يوليو قد أشار إلى أن نشاط القطاع الخاص غير النفطي وصل خلال يونيو إلى أسوأ مستوياته في ثلاثة أعوام ونصف العام، في ظل ضعف الطلب المحلي واضطرابات سلاسل الإمداد وتأثير التوترات الإقليمية على التجارة والاستثمار.

وبحسب التقرير، سجلت الطلبات الجديدة أكبر انخفاض لها منذ نوفمبر 2022، فيما قالت نحو 27% من الشركات المشاركة في المسح إن مبيعاتها تراجعت، مقابل 11% فقط أبلغت عن تحسن في نشاطها التجاري.

وربطت الشركات ضعف المبيعات بنقص السيولة لدى العملاء، وارتفاع أسعار المواد الخام، واضطرابات سلاسل الإمداد، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على حركة التجارة.

الإنتاج يتراجع.. والشركات تقلص مشترياتها

أظهرت بيانات يونيو أيضًا استمرار انخفاض الإنتاج للشهر الخامس على التوالي، مع وصول وتيرة التراجع إلى أعلى مستوياتها منذ مطلع 2023.

وتزامن ذلك مع خفض الشركات مشترياتها من مستلزمات الإنتاج، في وقت لجأت فيه بعض الشركات إلى تكوين مخزونات تحسبًا لمزيد من الارتفاع في الأسعار أو حدوث اضطرابات إضافية في الإمدادات.

كما امتدت فترات تسليم الموردين بسبب نقص المواد الخام واضطراب حركة الشحن وارتفاع تكاليف الوقود، وهي عوامل رفعت الضغوط على الشركات التي تعاني في الأساس من تراجع الطلب.

وقال كبير الاقتصاديين في S&P Global Market Intelligence ديفيد أوين، وفق ما نقلته «عرب نيوز»، إن نتائج يونيو عززت التوقعات بتباطؤ نمو الاقتصاد المصري خلال الربع الثاني، مشيرًا إلى أن التوترات الإقليمية ألحقت أضرارًا ملموسة بالقطاع غير النفطي.

من انكماش النشاط إلى أزمة الأجور والرعاية الصحية

ولا تتوقف انعكاسات الضغوط الاقتصادية عند مؤشرات الإنتاج والمبيعات، إذ تظهر آثارها بصورة مباشرة داخل بعض الشركات الصناعية، ومنها شركة «وبريات سمنود» بمحافظة الغربية.

ففي أبريل 2026، وسبتمبر 2026 دخل مئات العمال والعاملات في إضراب احتجاجًا على عدم صرف رواتب شهر مارس، وشهور لاحقة إلى جانب استمرار توقف خدمات التأمين الصحي، في أزمة عكست حجم الضغوط المالية التي تواجه العمال والشركة معًا.
وبحسب شهادات عمال نقلتها المادة، كانت الأجور تُصرف على دفعات متفرقة منذ نحو عشرة أشهر، بينما تأخرت مستحقات مارس، ما أدى إلى تفاقم الأعباء على العاملين وأسرهم. 

ولم تكن المشكلة مقتصرة على الأجور، إذ توقفت خدمات التأمين الصحي للعاملين منذ يناير بسبب تراكم مديونيات الشركة، بحسب روايات العمال، ما حرم مئات العاملين من العلاج، بينهم مرضى يحتاجون بصورة مستمرة إلى أدوية للأمراض المزمنة.

 

الغلاء يصل إلى مكان العمل

وتكشف أزمة الشركة جانبًا آخر من أثر الضغوط الاقتصادية، فمع تأخر الأجور وتوقف التأمين الصحي، أصبح العامل يواجه بصورة مباشرة ارتفاع تكاليف المعيشة والعلاج في وقت يتراجع فيه انتظام دخله. 

وكانت الإدارة قد عرضت، بحسب المادة، صرف 50% من راتب مارس لعمال قسم النسيج فقط، مع تأجيل بقية المستحقات، إلا أن العرض قوبل بالرفض، وتمسك العمال بصرف الرواتب كاملة لجميع الأقسام وحل أزمة التأمين الصحي.

وتربط الإدارة الأزمة بنقص السيولة وتأخر العملاء في سداد مستحقاتهم، في ظل اعتماد الشركة على نظام الإنتاج لحساب الغير.

لكن العمال شككوا في هذا التفسير، معتبرين أن استمرار الإنتاج وتسليم الطلبات يثير تساؤلات بشأن أسباب الأزمة المالية وآليات إدارة موارد الشركة.

القطاع الخاص تحت ضغط منذ سنوات 

الضغوط الحالية تأتي بعد سنوات من تسجيل القطاع الخاص غير النفطي في مصر مستويات متكررة من الانكماش.

وكانت رويترز قد نقلت في أبريل 2023 أن نشاط القطاع الخاص غير النفطي في مصر انكمش للشهر الثامن والعشرين على التوالي، في ظل القيود على الاستيراد ونقص العملة الأجنبية وارتفاع التضخم.

وقالت رويترز آنذاك إن استمرار الانكماش ارتبط بالقيود على الاستيراد وأزمة العملة والزيادة الحادة في التضخم، وهي عوامل ظلت تلقي بظلالها على بيئة الأعمال وتكاليف الشركات.
ومع مرور السنوات، لم تختفِ هذه الضغوط بصورة كاملة، وإنما تغيرت حدتها من فترة إلى أخرى، بينما ظلت الشركات تواجه تحديات مرتبطة بالطلب والتكاليف والتمويل وسلاسل الإمداد.

 

فجوة بين مؤشرات النشاط والتوقعات الحكومية

وتأتي هذه البيانات في وقت تتحدث فيه الحكومة المصرية عن توقعات بتحسن أداء الاقتصاد وزيادة مساهمة القطاع غير النفطي في الصادرات.

وعلّق حساب @Egyprince7 على بيانات الانكماش بالإشارة إلى تصريحات لرئيس الوزراء مصطفى مدبولي بشأن توقع وصول صادرات القطاع غير النفطي إلى 100 مليار دولار بحلول 2030، متسائلًا عن مدى اتساق هذه التوقعات مع المؤشرات الحالية لنشاط الشركات. 

وفي الاتجاه نفسه، نشرت قناة مكملين @MekameleenMk تعليقًا على البيانات، معتبرة أن الحديث الرسمي عن تقدم الاقتصاد غير النفطي يتعارض، من وجهة نظرها، مع مؤشرات الانكماش وتراجع الإنتاج والطلبات الجديدة.
وتبرز هذه الانتقادات فجوة واضحة بين الخطاب المتعلق بمستقبل الاقتصاد غير النفطي وبين الأداء الفعلي الذي تقيسه مؤشرات النشاط الشهرية، خصوصًا عندما يظل مؤشر مديري المشتريات دون مستوى 50 نقطة.

التفاؤل بالمستقبل لا يلغي ضغوط الحاضر

ورغم تراجع النشاط، أظهر مسح سبتمبر استمرار قدر من التفاؤل لدى الشركات بشأن الأشهر الاثني عشر المقبلة، مع آمال بتحسن ظروف الأعمال وتراجع الضغوط الاقتصادية.

وتشير بيانات المسح إلى أن الشركات لا تزال تراهن على تحسن الإنتاج مستقبلًا، رغم تراجع مستويات النشاط الحالية، وهو ما يعكس توقعات بأن تهدأ بعض الاضطرابات الاقتصادية والجيوسياسية وأن تتحسن ظروف السوق.

لكن هذا التفاؤل يأتي في الوقت الذي تواجه فيه الشركات ضغوطًا فعلية على الطلب والتكاليف والأسعار، بينما تكشف حالات مثل «وبريات سمنود» عن انتقال تداعيات الأزمة من ميزانيات الشركات إلى أجور العاملين وقدرتهم على الحصول على الرعاية الصحية.

وفي سبتمبر، أعادت قراءة مؤشر مديري المشتريات البالغة 47.2 نقطة التأكيد على أن القطاع الخاص غير النفطي لا يزال يتحرك داخل منطقة الانكماش، مع تراجع الإنتاج والطلبات الجديدة وارتفاع أسعار البيع وتزايد تكاليف مستلزمات الإنتاج، في امتداد لمسار من الضغوط ظهر بوضوح في بيانات يونيو، وتعود جذوره إلى سنوات من اضطرابات العملة والتضخم والاستيراد والطلب.